تحقيقات متضاربة وأسئلة لم تُحسم

لا تزال قضية اغتيال الناشطة الحقوقية والسياسية الليبية سلوى بوقعيقيص واحدة من أكثر ملفات الاغتيالات إثارة للجدل في بنغازي، إلى جانب مقتل عدد من الشخصيات والنشطاء، من بينهم سامي الكوافي وتوفيق بن سعود.

وفيما تضمنته تحقيقات رسمية وروايات أمنية سابقة، ظهرت روايات مضادة تشكك في طبيعة تلك التحقيقات والجهات التي تقف وراء الجرائم، وتطرح احتمال ارتباطها بالصراع السياسي والأمني الذي شهدته بنغازي في تلك الفترة.

رواية «السرقة» في قضية سلوى بوقعيقيص

بحسب ما أورده تحقيق نشرته صحيفة برنيق في عددها الصادر في 12 ديسمبر 2016، واستند ــ وفقًا للنص ــ إلى محاضر للنيابة العامة، فقد نُسبت جريمة قتل سلوى بوقعيقيص واختفاء زوجها عصام الغرياني إلى حارسها المصري وعدد من أقاربه، وقيل إن الدافع كان السرقة.

وبناءً على هذه الرواية، فإن الجريمة تُقدَّم باعتبارها جريمة جنائية بدافع السرقة، وليس اغتيالًا سياسيًا.

إلا أن هذه الرواية ظلت موضع تشكيك وانتقاد، خصوصًا في ظل ملابسات الجريمة والظروف الأمنية والسياسية التي كانت تمر بها بنغازي آنذاك.

اعترافات إبراهيم الصول تفتح بابًا آخر للجدل

في 24 يناير 2015، بثت لجنة تحقيق تابعة لقوات «الكرامة» تسجيلًا مصورًا تضمن اعترافات إبراهيم محمد إبراهيم الصول، الذي قُدِّم باعتباره مشاركًا في عملية اغتيال بوقعيقيص.

لكن الرواية الواردة في التسجيل تعرضت لانتقادات، وشكك منتقدوها في صحتها، معتبرين أن الاعترافات ربما استُخدمت لتوجيه الاتهام إلى ثوار من بنغازي ودرنة.

ويستند هذا الطرح إلى وجود تناقضات، بحسب منتقدي الرواية، بين ما ورد في الاعترافات وبين بعض تفاصيل الجريمة، إضافة إلى تساؤلات حول ظروف الحصول على الاعترافات ومدى استقلالية التحقيقات التي أُجريت في ظل الصراع المسلح.

اختفاء عصام الغرياني.. لغز آخر

من أبرز علامات الاستفهام في القضية مصير زوج سلوى بوقعيقيص، عصام الغرياني، الذي اختفى عقب الجريمة.

وتشير الرواية الواردة في التحقيق إلى تعرضه للضرب داخل منزله ثم مقتله ودفنه في منطقة قريبة من معسكر الدروع، بينما ظل مصيره مجهولًا ولم يُعثر على جثمانه، وفق ما يورده النص.

ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الجريمة مرتبطة بالسرقة، فما تفسير اختفاء الغرياني وعدم العثور على جثمانه حتى الآن؟

لماذا كانت الجريمة بهذه القسوة؟

من بين التساؤلات التي تطرحها الرواية المعارضة للتفسير الجنائي أن سلوى بوقعيقيص تعرضت لإطلاق نار وطعنات، وهو ما يعتبره أصحاب هذا الطرح مؤشرًا لا يتفق ــ من وجهة نظرهم ــ مع جريمة سرقة عادية.

كما يطرح النص سؤالًا آخر بشأن توقيت الجريمة، إذ وقعت بعد عودة بوقعيقيص إلى بنغازي بفترة قصيرة، رغم وجودها خارج البلاد قبل ذلك.

ويعتبر أصحاب هذه الرواية أن هذه الملابسات تستدعي التحقيق في احتمال وجود دوافع أخرى وراء الجريمة.

اتهامات بتسييس التحقيقات

يرى منتقدو الرواية الرسمية أن التحقيقات والاعترافات التي ظهرت في تلك الفترة ربما استُخدمت لإبعاد الشبهات عن جهات أخرى وتوجيهها نحو خصوم سياسيين وعسكريين.

ويذهب النص إلى أبعد من ذلك، إذ يتهم أطرافًا مرتبطة بمشروع «الكرامة» بالوقوف وراء عدد من عمليات الاغتيال التي شهدتها بنغازي، إلا أن هذه الاتهامات تبقى بحاجة إلى أدلة وتحقيقات قضائية مستقلة لإثباتها.

سامي الكوافي وتوفيق بن سعود.. سلسلة اغتيالات

لم تكن قضية سلوى بوقعيقيص حالة منفردة في المشهد الأمني المضطرب الذي عاشته بنغازي.

فقد شهدت المدينة في الفترة نفسها اغتيالات طالت شخصيات سياسية وناشطين وإعلاميين، من بينهم سامي الكوافي وتوفيق بن سعود، إضافة إلى أسماء أخرى مثل إبراهيم السنوسي عقيلة، ومفتاح بوزيد، وعبد السلام المسماري.

ويرى أصحاب الطرح الوارد في النص أن هذه العمليات لم تكن حوادث منفصلة، وإنما جاءت ضمن مناخ أمني وسياسي ساهم في نشر الخوف وإضعاف الأصوات المعارضة.

الاغتيالات والحرب الإعلامية

بالتزامن مع عمليات الاغتيال، ظهرت حملات إعلامية اتهمت التيارات الإسلامية وثوار فبراير بالمسؤولية عن حالة الفوضى والاغتيالات في بنغازي.

ويطرح النص فرضية وجود تنسيق بين العنف على الأرض والحملة الإعلامية، بهدف تشويه خصوم سياسيين وتهيئة الرأي العام لتقبل التحرك العسكري.

كما يتحدث عن دور وسائل إعلام وشخصيات مصرية، إلى جانب ما يصفه بـ«الإعلام الإلكتروني» الموالي للنظام السابق، في دعم هذه الحملة.

من قتل أبناء الوطن؟

تبقى الإجابة عن السؤال الأهم: من يقف وراء اغتيال سلوى بوقعيقيص وسامي الكوافي وتوفيق بن سعود وغيرهم؟

فبين الروايات الرسمية، والاعترافات المصورة، والاتهامات السياسية المتبادلة، لا تزال بعض ملفات الاغتيالات في بنغازي تفتقر إلى حسم قضائي مستقل وشفاف.

وبدل أن تتحول هذه الجرائم إلى أدوات في الصراع السياسي، فإن كشف الحقيقة يتطلب تحقيقات مستقلة تحدد المسؤوليات، وتفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات، وتكشف مصير المفقودين، وتضمن حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة.

فدماء الضحايا لا ينبغي أن تبقى ملفًا مؤجلًا، ولا أن تتحول جرائم الاغتيال إلى أوراق في الصراع على السلطة.