
لم يكن توقيع لجنة الحوار المصغرة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نهايةً للأزمة الليبية، بقدر ما نقل الخلاف إلى مرحلة أكثر حساسية: من يملك صلاحية اعتماد هذه المخرجات وتحويلها من تفاهم سياسي إلى قواعد ملزمة؟
فاللجنة التي تشكلت برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عقدت سلسلة اجتماعات لمعالجة ملفين أساسيين: الإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية. وفي 20 أغسطس، أعلنت البعثة التوصل إلى مسودة اتفاق بالأحرف الأولى، مع الاتفاق على استكمال ترتيبات التنفيذ والإعلان الرسمي لاحقاً.
لكن المشكلة لم تعد فقط في ماذا اتفقت عليه 4+4؟، وإنما في كيف سيصبح هذا الاتفاق نافذاً؟
تسريبات تكشف جانباً.. والوثيقة الرسمية غائبة
أثارت التسريبات المتداولة حول مخرجات اللجنة جدلاً واسعاً، خصوصاً أن بعض ما نُشر تضمن تفاصيل تتعلق بتعديل القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وشروط الترشح للانتخابات الرئاسية.
لكن بعثة الأمم المتحدة نفت صحة المعلومات المتداولة حول مسودة الاتفاق، مؤكدة أن ما جرى تداوله لا يعكس بدقة ما تم الاتفاق عليه، وأن الوثيقة الرسمية ستُنشر بعد استكمال العملية والإعلان عنها رسمياً.
وهنا تبرز أولى الإشكاليات: كيف يمكن تقييم اتفاق لم تُكشف تفاصيله النهائية للرأي العام والمؤسسات المعنية؟
فالتوقيع بالأحرف الأولى يعني، في جوهره، التوصل إلى تفاهم على مسودة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتفاق أصبح قانوناً نافذاً أو أن المؤسسات الليبية أصبحت ملزمة بتنفيذه.
رفض المجلس الأعلى للدولة يضع الاتفاق أمام أول اختبار
المجلس الأعلى للدولة أعلن بوضوح أنه لم يكن ممثلاً كمؤسسة في اجتماعات «4+4»، رغم وجود عضوين منه داخل اللجنة، واعتبر أن أي مخرجات تتعلق بالقوانين الانتخابية أو مؤسسات الدولة يجب أن تستند إلى أساس قانوني ودستوري واضح وأن تمر عبر المؤسسات صاحبة الاختصاص.
وهذا الموقف يفتح سؤالاً جوهرياً:
إذا كان مجلس الدولة لا يعتبر نفسه طرفاً في الاتفاق، فكيف يمكن إلزامه بنتائجه؟
الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على مجلس النواب، خصوصاً أن عضوية ممثليه في اللجنة لا تعني بالضرورة أن كل أعضاء المجلس قد منحوا تفويضاً صريحاً ونهائياً لاعتماد أي صيغة تتوصل إليها اللجنة.
صحيح أن هناك من يرى أن مشاركة أعضاء من المجلسين يمكن أن تشكل تفويضاً ضمنياً، إلا أن هذا التفسير يظل سياسياً أكثر منه قانونياً، كما أن الخلاف الحقيقي قد يظهر عند تفاصيل القوانين وشروط الترشح وتشكيل المفوضية.
هل توصلت 4+4 فعلاً إلى حل واقعي؟
هنا يجب التفريق بين حل العقدة الانتخابية وحل الأزمة الليبية.
إذا نجحت اللجنة في الاتفاق على صيغة قابلة للتطبيق بشأن القوانين الانتخابية ومجلس مفوضية الانتخابات، فإن ذلك يمثل تقدماً مهماً، لأن مجلسي النواب والدولة أخفقا لسنوات في حسم هذه الملفات. وقد جاءت اللجنة أصلاً لمحاولة تجاوز هذا الانسداد.
لكن الانتخابات في ليبيا لا تتعطل بسبب القوانين فقط.
هناك أسئلة أكبر تتعلق بالسلطة التنفيذية، وقبول نتائج الانتخابات، وترتيبات ما بعد الانتخابات، والأمن، وتوحيد المؤسسات، وقدرة الأطراف الخاسرة على قبول النتائج.
وبالتالي فإن 4+4 قد تكون قادرة على إنتاج تسوية انتخابية، لكنها لا تملك وحدها إنتاج تسوية سياسية شاملة.
وهذا هو الفارق بين الوصول إلى اتفاق على الورق والوصول إلى انتخابات فعلية على الأرض.
ماذا لو رفض مجلسا النواب والدولة؟
هذه هي العقدة الأساسية.
إذا رفض مجلس الدولة، أو رفض مجلس النواب، أو رفض الاثنان المخرجات، فستجد البعثة الأممية نفسها أمام ثلاثة خيارات رئيسية:
الأول: العودة إلى المجلسين
والضغط عليهما لإعادة التفاوض وتعديل بعض البنود، وهو الخيار الأكثر انسجاماً مع مبدأ الملكية الليبية للعملية السياسية، لكنه قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
الثاني: البحث عن آلية توافقية جديدة
بحيث تصبح مخرجات 4+4 أساساً للتفاوض، وليس نصاً نهائياً مفروضاً على المؤسسات، وهو ما قد يسمح بإنقاذ جوهر الاتفاق مع تعديل آلية اعتماده.
الثالث: تجاوز حالة التعطيل المؤسسي
وهذا الخيار هو الأكثر حساسية، إذ قد تدفع البعثة، بدعم دولي، باتجاه صيغة تتجاوز قدرة أي مؤسسة منفردة على تعطيل الانتخابات. لكنه سيصطدم مباشرة بسؤال الشرعية الدستورية والقانونية.
المعركة الحقيقية ليست حول 4+4 بل حول «من يملك القرار»
المفارقة أن لجنة 4+4 أُنشئت أصلاً لأن المؤسسات السياسية القائمة فشلت في التوصل إلى حلول، لكنها الآن تواجه المشكلة نفسها التي حاولت تجاوزها: من يمنح الاتفاق الشرعية؟
فإذا كانت اللجنة مجرد آلية تيسيرية، فإنها لا تستطيع أن تحل محل مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة في التشريع.
أما إذا كانت مخرجاتها تحتاج إلى موافقة المجلسين، فإن قدرة أي منهما على رفضها تعني أن اللجنة لم تتجاوز فعلياً معضلة الانسداد المؤسسي.
ومن هنا فإن نجاح «4+4» لن يقاس فقط بما ستكتبه في وثيقتها النهائية، وإنما بقدرتها على إيجاد آلية سياسية وقانونية تجعل الأطراف قادرة على تنفيذ ما اتفقت عليه.
الخلاصة: الاتفاق الحقيقي يبدأ بعد التوقيع
ما تحقق في تونس يمكن اعتباره اختراقاً تفاوضياً مهماً، لكنه ليس بعدُ حلاً نهائياً للأزمة الليبية.
فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن: نشر الوثيقة كاملة، معرفة تفاصيلها، تحديد أساسها القانوني، ثم معرفة موقف مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي وبقية الأطراف المؤثرة.
وبالتالي فإن السؤال الأهم ليس:
هل اتفقت 4+4؟
بل:
هل تستطيع 4+4 تحويل اتفاقها إلى قرار تقبله المؤسسات، وتلتزم به القوى السياسية والعسكرية، ويقود فعلاً إلى انتخابات تقبل جميع الأطراف بنتائجها؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون اللجنة نجحت في كسر واحدة من أهم حلقات الانسداد الليبي.
أما إذا رفضت المؤسسات مخرجاتها، فسيصبح الاتفاق مجرد تفاهم سياسي جديد يضاف إلى عشرات التفاهمات التي سبقت ولم تتحول إلى واقع.
والأخطر أن الخلاف عندها لن يكون حول قانون الانتخابات فقط، بل حول مصدر الشرعية نفسه: هل تأتي من المؤسسات القائمة، أم من التوافق السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، أم من قدرة المجتمع الدولي على فرض مسار جديد على الجميع؟
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الأصعب أمام خريطة الطريق الأممية.
