
طرابلس – الأحد 30 أغسطس 2026
وقّعت الأطراف الليبية المشاركة في الاجتماع المصغر «4+4»، اليوم الأحد، في العاصمة طرابلس، الاتفاق النهائي الذي توصلت إليه بعد أشهر من المباحثات برعاية وتيسير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في خطوة تستهدف معالجة أبرز الملفات التي عطّلت إجراء الانتخابات، وفي مقدمتها تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
ويضع الاتفاق، بحسب ما أعلن عقب التوقيع، سقفًا زمنيًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة لا يتجاوز 24 شهرًا، فيما تنتقل المرحلة التالية من التفاوض إلى اختبار التنفيذ والقدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات قانونية ومؤسسية.

ما الذي اتفقت عليه لجنة «4+4»؟
يرتكز الاتفاق على مجموعة من الملفات المرتبطة مباشرة بالعملية الانتخابية، أبرزها:
🔴 إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما يضمن استكمال تركيبتها وتمكينها من الاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
🔴 معالجة الإشكالات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والإطار القانوني والدستوري المنظم للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
🔴 إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متزامنة خلال مدة زمنية لا تتجاوز 24 شهرًا.
🔴 أن تتم الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
🔴 وضع ترتيبات لمتابعة تنفيذ الاتفاق، بما في ذلك الجوانب الفنية والأمنية واللوجستية المرتبطة بالعملية الانتخابية.
🔴 وفي حال تعذر الوصول إلى الانتخابات خلال المدة المحددة، تتضمن التفاهمات تعاون الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للوصول إلى آلية تضمن استمرار المسار الانتخابي.
كما أفادت تقارير بشأن نصوص الاتفاق بأن التفاهمات تناولت شروط الترشح والمشاركة في الانتخابات، بما فيها مشاركة العسكريين، إضافة إلى ملفات الجنسية وشكل الانتخابات التشريعية. وهذه التفاصيل ينبغي ربطها بالنص النهائي المنشور للاتفاق، لا بالوثائق المتداولة سابقًا، إذ سبق أن حذرت البعثة الأممية من عدم دقة بعض النسخ المتداولة.

بوهمود: الاتفاق ثمرة تضافر الأطراف والقوى الفاعلة
رئيس وفد «القيادة العامة» في لجنة «4+4» الشيباني أبوهمود اعتبر توقيع الاتفاق ثمرة لتضافر الأطراف الرئيسية والقوى الفاعلة، مؤكدًا أن التوافق لم يكن ليصل إلى هذه المرحلة لولا انخراط مختلف الأطراف في الحوار.
وقال أبوهمود إن خليفة حفتر ظل منخرطًا في الحوار وداعمًا له بكل تفاصيله، مشيرًا إلى أن ما تحقق يمثل توافقًا على استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واختيار رئيس لها، إلى جانب التوافق حول القوانين الانتخابية التي يفترض أن تجرى الانتخابات على أساسها.
وأكد أن الانتخابات تمثل الوسيلة الأقل تكلفة والمتاحة لتجديد شرعية المؤسسات، داعيًا المؤسسات والجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها الوطنية واتخاذ الخطوات اللازمة لوضع الاتفاق موضع التنفيذ.
خليفة حفتر: الاتفاق تقدم في معالجة قضايا عالقة منذ سنوات
من جانبه، رحب خليفة حفتر بتوقيع الاتفاق النهائي في طرابلس، معتبرًا أن مخرجات الاجتماع المصغر تمثل تقدمًا في معالجة قضايا تعثرت لسنوات وأسهمت في عرقلة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وأكد تأييده لنتائج الاجتماع والتزامه بالعمل من أجل توحيد دولة ليبيا وإنهاء حالة الفوضى والانقسام، مثمنًا دور الأطراف المشاركة في الحوار والدعم المحلي والدولي للتوافق.

صدام حفتر: لا مبرر لمزيد من التأخير
بدوره، رحب صدام حفتر بالتوقيع النهائي، ووصف الاتفاق بأنه خطوة مهمة نحو إزالة العراقيل التي حالت طويلًا دون وصول الليبيين إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
وقال إن «القيادة العامة» بذلت ما في وسعها للمساهمة في حلحلة الخلافات وتقريب وجهات النظر، مؤكدًا استمرارها في هدف توحيد البلاد ومؤسساتها وإنهاء الانقسام.
وأشاد صدام حفتر بدور القائد العام خليفة حفتر في دعم هذه الجهود، معتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تنفيذ واستحقاق، هدفها الوصول إلى الانتخابات دون إبطاء.
وأضاف أن الاتفاق، من وجهة نظره، يعني عدم وجود مبرر لمزيد من التأخير أو لمحاولات إعادة البلاد إلى دوائر التعطيل والانقسام.

الدبيبة: الاتفاق يجب أن يقود إلى إنهاء المراحل الانتقالية
رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة رحب بدوره بالتوقيع، واعتبر الاتفاق خطوة تعزز المسار الذي دعا إليه منذ البداية، والقائم على إنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات.
وأكد أن رؤيته تتمثل في أن يكون القرار للشعب الليبي من خلال انتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها من إرادة المواطنين، بعيدًا عن ترتيبات تعيد إنتاج الأجسام والمراحل الانتقالية القائمة.
وأعرب عن أمله في أن يشكل الاتفاق خطوة عملية تحافظ على أولوية الانتخابات وتفتح الطريق أمام استحقاق وطني يقود ليبيا نحو الاستقرار والبناء.
اللافي: الخصومة السياسية مستمرة لكن التوافق ممكن
رئيس وفد حكومة الوحدة في لجنة «4+4» وليد اللافي أقر بأن الخصومة السياسية بين الأطراف لم تنتهِ، وقد تستمر، لكنه شدد على أنها لم تمنع المشاركين من إيجاد أرضية مشتركة ومرتكزات للاتفاق وتحقيق ما وصفه بالمكاسب الوطنية.
وأكد أن الاجتماع تضمن آليات للمتابعة المستمرة لما هو مطلوب فنيًا وأمنيًا ولوجستيًا لإنجاح الانتخابات.
كما أعلن عضو اللجنة عبدالجليل الشاوش توجيه الشكر إلى إبراهيم الدبيبة والسفير الليبي لدى الإمارات سفيان الشيباني، لدعمهما للاتفاق.

مرسوم رئاسي يعيد تشكيل مفوضية الانتخابات
وبالتزامن مع توقيع الاتفاق، أصدر المجلس الرئاسي المرسوم الرئاسي رقم (2) لسنة 2026 بشأن إعادة تسمية رئيس وأعضاء مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وبحسب صورة المرسوم المرفقة، فقد جاءت التشكيلة الجديدة على النحو التالي:
- د. عماد الشاذلي السائح – رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
- سناء سعيد عيسى الليشاني – نائبًا لرئيس مجلس الإدارة.
- ابديوي محمد محمد ابديوي – عضوًا.
- علي مفتاح العواي – عضوًا.
- علي الطايع عبدالجواد – عضوًا.
- هيثم علي الطبولي – عضوًا.
- علي أبوصلاح علي – عضوًا.
ويشير المرسوم إلى أن إعادة التسمية تأتي استنادًا إلى الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، ومخرجات ملتقى الحوار السياسي، والقوانين والقرارات المنظمة لعمل المفوضية. كما ينص على أن يعمل به من تاريخ صدوره، وأن يُلغى كل حكم يخالفه، مع نشره في الجريدة الرسمية.
آلية اتخاذ القرار داخل المفوضية
ونصت المادة الثانية من المرسوم على أن اتخاذ مجلس الإدارة لقراراته يشترط موافقة ثلثي أعضائه، على أن يكون رئيس مجلس الإدارة من بينهم.
وهذا يعني أن القرارات الرئيسية للمجلس الجديد لن تُتخذ بالأغلبية البسيطة، بل تتطلب توافقًا موسعًا داخل مجلس الإدارة.
حضور الكوني وغياب المنفي واللافي
في وقت حضر فيه عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني مراسم توقيع اتفاق «4+4» في طرابلس، غاب رئيس المجلس محمد المنفي وعضوه عبدالله اللافي، بالتزامن مع صدور مرسوم رئاسي بإعادة تسمية مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ويطرح هذا التباين في الحضور، بالتزامن مع صدور المرسوم الرئاسي، تساؤلات حول موقف أعضاء المجلس الرئاسي من الاتفاق ومخرجاته، وما إذا كان يعكس وجود تباين أو خلافات داخل المجلس بشأن إدارة المرحلة الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية، خصوصًا أن ملف الانتخابات من أكثر الملفات السياسية حساسية في المشهد الليبي.
ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه مخرجات «4+4» إلى مرحلة التنفيذ، وسط تحديات سياسية متوقعة، أبرزها موقف مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إضافة إلى مواقف بعض القوى الرافضة للاتفاق في غرب ليبيا، وهو ما قد يحدد مدى قدرة التوافق الذي جرى في طرابلس على الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ.
ترحيب أوروبي: فرصة لتوحيد المؤسسات
ورحبت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية نزيهة.
ودعا الموقف الأوروبي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى التفاعل الإيجابي مع مخرجات الاجتماع واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها دون تأخير، كما حث جميع المؤسسات والجهات الليبية على استثمار التوافق الجديد ودفع البلاد نحو استعادة الشرعية والوحدة المؤسسية.
وأكد الاتحاد الأوروبي دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة والممثلة الخاصة هانا تيتيه في تيسير عملية سياسية بقيادة وملكية ليبية.
الأمم المتحدة: التوقيع ليس نهاية العملية السياسية
وفي المقابل، شددت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على أن توقيع وثيقة «4+4» لا يمثل نهاية العملية السياسية، وإنما خطوة للانتقال إلى المرحلة التالية، داعية المؤسسات الليبية والجهات السياسية إلى الوفاء بالتزاماتها وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وحق الليبيين في اختيار ممثليهم عبر انتخابات نزيهة وشاملة.
وتشير المعطيات المعلنة إلى أن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن، إذ تحتاج مخرجات الاتفاق إلى ترجمة سياسية وقانونية ومؤسسية، فيما أفادت بعثة الأمم المتحدة بأن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أمام مهلة للمصادقة على الاتفاق، مع وجود آلية بديلة في حال تعذر ذلك.
من التوقيع إلى التنفيذ.. الاختبار الأصعب
يمثل اتفاق «4+4» تطورًا سياسيًا مهمًا لأنه يجمع للمرة الأولى في هذا المسار بين إعادة ترتيب مفوضية الانتخابات، معالجة الإطار الانتخابي، ووضع سقف زمني للانتخابات.
لكن الاتفاق لا ينهي تلقائيًا الخلافات الليبية؛ فنجاحه سيبقى مرتبطًا بقدرة المؤسسات السياسية على اعتماده وتنفيذ بنوده، وبمدى الالتزام بالجدول الزمني المقترح، فضلًا عن معالجة الملفات الدستورية والقانونية وتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية.
وبذلك، فإن 30 أغسطس 2026 لا يمثل فقط يوم توقيع اتفاق جديد، بل بداية اختبار سياسي أكثر صعوبة: هل تتمكن الأطراف الليبية من الانتقال من مرحلة التفاوض والتوافق إلى مرحلة التنفيذ والوصول فعلًا إلى صناديق الاقتراع خلال 24 شهرًا؟
