
رحم الله أخانا العزيز “محمد علي الكبير”، وغفر له ورحمه، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
كان محمد الكبير من أبناء “جيل التأسيس الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا”، وسبق كثيرين في التعرف على جماعة الإخوان المسلمين، وكان له دور بارز في العمل الدعوي والحركي، خاصة خلال سنوات وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عُرف بنشاطه الدعوي ونضاله وحضوره بين أبناء الحركة.
وكانت تجربته في السجن من أبرز محطات حياته؛ إذ اعتُقل في أحداث عام 1984، وعُرف خلال فترة اعتقاله بالصبر والثبات، وبمواقف ساهمت في حماية عدد من إخوانه وعدم توريطهم في قضايا أخرى.
محمد الكبير بعد فبراير 2011
لم يتوقف حضور محمد الكبير عند العمل الدعوي والحركي، بل واصل نشاطه بعد أحداث فبراير 2011، وكان، بحسب من عاصروه، من أوائل المبادرين إلى العمل على حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على الأمن ومنع العبث بالمرافق العامة.
وفي تلك المرحلة، شارك إلى جانب ” فوزي ونيس القذافي” في تأسيس “كتيبة الحماية”، وتولى، وفق ما يُروى عنه، مسؤوليات تتعلق بحماية بعض مؤسسات البلاد وتنظيم حركة المرور، في محاولة للمساهمة في حفظ الأمن خلال مرحلة شديدة الاضطراب.
كما كان له اهتمام بملف السجون وأوضاع المحتجزين، وكان يؤكد على ضرورة معاملة السجناء بما يحفظ كرامتهم الإنسانية، ويوجه القائمين على بعض السجون، بحسب من عرفوه في تلك المرحلة، إلى عدم إهانة السجناء أو الإساءة إليهم.
ومن المواقف اللافتة التي تُروى عنه في هذا السياق، أنه دخل أحد السجون بعد فبراير، فالتقى بأحد الذين كانوا يعملون في منظومة سجون النظام السابق، وكان ممن شاركوا في تعذيبه شخصيًا أثناء فترة اعتقاله.
وكان محمد الكبير قد تعرض في السجن لتعذيب شديد، ومن ذلك أنه كان يعاني من إصابة في إحدى ساقيه وكانت بها قطعة من الحديد، ومع ذلك كان أحد السجانين يواصل ضربه عليها. وحين أخبره محمد بأن هذه الساق مصابة، تعمد السجان، بحسب الرواية التي نُقلت عن محمد، أن يطلب منه تحويلها إلى الجهة الأخرى ثم واصل ضربه عليها.
ورغم قسوة تلك الذكريات، فإن محمد الكبير، عندما التقى بهذا الشخص بعد سنوات، لم يجعل من تجربته الشخصية سببًا للانتقام أو لإهانة السجناء، بل ظل يؤكد على ضرورة أن تكون معاملة المحتجزين قائمة على الكرامة والإنسانية. وهي مفارقة تكشف جانبًا من شخصيته التي عُرفت بالصبر، وضبط النفس، والحرص على عدم تكرار ما عانى منه هو ورفاقه.
سنواته الأخيرة
ورغم ما قدمه خلال سنوات طويلة من حياته، عاش محمد الكبير في سنواته الأخيرة ظروفًا مادية صعبة، حتى إنه لم يتمكن من توفير تكاليف العلاج في الخارج في الوقت المناسب، رغم حاجته إليه. وبحسب ما رُوي عنه، فقد اضطر في فترة من حياته إلى بيع العصائر البسيطة لتوفير بعض المال، كما أُطلقت حملة لمساعدته في تكاليف العلاج، لكنها لم تصل إلى المبلغ المطلوب في الوقت المناسب.
وهكذا رحل محمد الكبير بعد مسيرة طويلة من الدعوة والعمل والنضال، تاركًا وراءه سيرة حافلة بالمواقف والتجارب، وذكريات في نفوس من عرفوه ورافقوه في مراحل مختلفة من حياته.
رحم الله محمد علي الكبير رحمة واسعة، وغفر له، وعافاه واعفُ عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
“إنا لله وإنا إليه راجعون”

رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون
إعجابإعجاب