
حرب أوغندا – الحلقة الثالثة
شاهد عيان
طلبنا من أهل القرية أن يدلّونا على الطريق إلى المطار بالإشارة، فأومأوا بأيديهم باتجاهٍ معين. شكرناهم على ما قدموه لنا من ماءٍ وموزٍ، وغادرناهم دون أن نعرف هل هم معنا أم ضدنا، لكن الحذر في تلك الظروف كان فرضاً لا خياراً.
واصلنا المسير في صمتٍ تام، نتحسس الأرض بأقدامٍ متعبة ونرقب كل حركة من حولنا. دخلنا وادياً جافاً تحيط به الأشجار المتناثرة، وكانت الأرض متشققة من الجفاف، والغبار يلتصق بوجوهنا المبللة بعرق الخوف والإرهاق. كلما لمحنا قرويين أو رعاة من بعيد، كنا نميل عن الطريق ونختبئ بين الشجيرات حتى يبتعدوا، فلا أحد يعرف من يكون عدواً أو صديقاً في أرضٍ غريبة كهذه.
مع اقتراب الغروب، لاح لنا مبنى في الأفق تعلوه هوائية طويلة، فقررنا التوجه نحوه على أمل أن نجد فيه أحداً من رفاقنا. ومع اقترابنا أكثر، بدأنا نسمع أصواتاً مألوفة… لهجة ليبية! فهرعنا نحوهم لنكتشف أنهم جنود وضباط ليبيون نجوا من المعارك وهربوا من جحيم القتال.
كان المبنى في الحقيقة مقراً للعمليات العسكرية، يتخذه الضباط الليبيون مركزاً مؤقتاً لتجميع الناجين. سجّلونا بالاسم والرتبة والانتماء إلى أي كتيبة، ثم وزعونا في إحدى الغرف. تلك الليلة كانت أول مرة ننام فيها بطمأنينة نسبية منذ أيام، رغم أصوات الرصاص البعيدة التي لم تفارق السماء.
في صباح اليوم التالي، ومع اقتراب الظهيرة، وصلت حافلات صغيرة. نادوا أسماءنا، وركبنا فيها على عجل. في مقدمة الحافلة جلس ضابط إلى جوار السائق ممسكاً بخريطة كبيرة، وخلف السائق جلس ضابط آخر يحمل بندقيته مصوّبة إلى الأمام. لاحظنا أن كل حافلة فيها نفس الترتيب تقريباً، ضابط مسلّح يراقب الركاب باهتمام.
سأل أحدنا بهدوء عن سبب هذه الشدة، فأجابه أحد الضباط بصوتٍ خافت:
– “بعض السائقين في الأيام الماضية غيّروا الطريق وسلّموا جنودنا إلى قوات المعارضة مقابل المال… لذلك أصبح الحذر واجباً.”
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تُعيد الخوف إلى قلوبنا. الطريق كان طويلاً، موحشاً، والقلق يسير معنا في كل لحظة.
وأخيراً، بعد رحلةٍ استغرقت ساعاتٍ طويلة، دخلنا مطار “عين تيبي” الذي أصبح أشبه بساحة فوضى كبرى. الجنود من كل الاتجاهات، أصوات النداءات، والكل يصرخ يريد العودة إلى الوطن، يريد النجاة من هذا الجحيم الذي لم يفهم أحد كيف وجد نفسه فيه.
لم تمر لحظات حتى هبطت طائرة نقل عسكرية ضخمة، وتدافع الجنود نحوها بالأمل والرهبة معاً. فتح باب الطائرة ببطء، لكن المشهد الذي تلا لم يكن في الحسبان. خرج منها رجال كبار السن، يرتدون اللباس العربي الكامل — الكاط والجرد والشنة — وجوههم هادئة، وملامحهم لا تعلم شيئاً عما ينتظرهم.
تساءل الجميع بصوتٍ خافت:
– “من هؤلاء؟”
جاء الرد سريعاً من أحد الضباط:
– “ممنوع الحديث معهم، لا أحد يقترب منهم ولا يعطيهم أي معلومة… نفذوا الأوامر فقط.”
لم نفهم شيئاً في تلك اللحظة، لكن بعد فترة قصيرة عرفنا الحقيقة المُرّة: هؤلاء الشيوخ المساكين أُرسلوا إلى الجبهة ذاتها التي تركناها… إلى الجحيم بعينه.
وبينما كنت أراقب المشهد بحزنٍ وذهول، لمحت وجهاً مألوفاً بين الجنود الواقفين قرب الطائرة… إنه جاري من مدينتي! لم أصدق عيني، فتسللت بين الصفوف حتى وصلت إليه، ومددت يدي أحيّيه قائلاً بصوتٍ خافت:
– “فلان! ماذا تفعل هنا؟! كيف جئت؟!”
رفع رأسه نحوي، وعلى وجهه ملامح تعبٍ عميق ودهشة أكبر، وقال لي بصوتٍ مبحوح…
…يتبع.
=====
خلفية
ملخص الأحداث التاريخية
مايو 1978: القذافي يرسل نحو 3000 ليبي (بينهم عسكريون ومدنيون) للقتال إلى جانب الجيش الأوغندي بقيادة عيدي أمين.
بداية 1979: الجيش الأوغندي يضعف، فتتدخل منظمة التحرير الفلسطينية الموالية للقذافي بإرسال مقاتلين دعمًا له.
مارس 1979 – معركة لوكايا:
هُزم الجيش الأوغندي والقوات الليبية – الفلسطينية أمام القوات التنزانية والمعارضة الأوغندية.
الخسائر الليبية كانت فادحة: نحو 200 قتيل خلال 10 أيام.
رد القذافي: هدد بالتدخل العسكري المباشر بعد إعلان منظمة التحرير الوطنية الأوغندية، لكن قوات تنزانيا والمعارضة تقدمت سريعًا وسيطرت على مطار عنتيبي ثم على العاصمة كمبالا في أبريل 1979.
النتيجة: سقوط نظام عيدي أمين، وانسحاب ليبيا بعد أن فقدت حوالي 500 من أبنائها خلال شهر ونصف، فضلًا عن خسائر مادية جسيمة.
طالع ايضا
