
لا بدّ من التأكيدِ بدايةً على أصلٍ مستفيضٍ في الشريعةِ الإسلاميّةِ، اتفقتْ عليه كلمةُ فقهاءِ المسلمينَ في الجملةِ؛ أنَّه لا جنايةَ – في بابِ حقوقِ العبادِ – أعظمُ من الاستهانةِ بحرمةِ دمِ الإنسانِ وسفكِه بغيرِ حقٍّ؛ فالدماءُ معصومةٌ، وحرمتُها من أعظمِ الحرماتِ التي جاءتِ الشريعةُ بصيانتِها والتشديدِ في أمرِها، ولو كانَ هذا الإنسانُ غيرَ مسلمٍ؛ فالأصلُ في الدماءِ العصمةُ، ولا يجوزُ إهدارُها إلا بحقٍّ ثابتٍ شرعًا وقانونًا، ومن خلالِ سلطةٍ مختصّةٍ وإجراءاتٍ عادلةٍ تستوفي شروطَ الإثباتِ والمحاكمةِ.قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
كما أودُّ التأكيدَ على أنَّ هذا ليسَ رأياً طارئًا اقتضته هذه الأحكامُ الأخيرةُ، ولا موقفًا مرتبطًا بخصومةٍ سياسيّةٍ؛ فقد كان موقفي – ولله الحمدُ – منذ بدايةِ الأحداثِ واضحًا ومعلنًا في رفضِ القتلِ خارجَ إطارِ القانونِ، أيًّا كان فاعلُه أو ضحيّتُه، كما كان موقفي صريحًا ومبكرا في رفضِ الإرهابِ، ورفضِ اتخاذِ الدينِ أو السياسةِ ذريعةً لاستباحةِ الدماءِ المعصومةِ. ومواقفي وكتاباتي ولقاءاتي حتّى قبل فبراير منشورةٌ وموثّقةٌ، تشهدُ بأنَّ المعيارَ عندي لم يتغيّرْ: الجريمةُ تُدانُ أيًّا كان فاعلُها، والدمُ يُصانُ أيًّا كان صاحبُه، والعدلُ لا يتجزّأُ بتغيّرِ الخصومِ.
فالدماءُ في دينِنا لا تُستباحُ بالظنونِ، ولا بالخصوماتِ السياسيّةِ، ولا بالانتقامِ، ولا بمجرّدِ الاتهامِ، والاحتياطُ فيها أعظمُ من الاحتياطِ في الأموالِ وسائرِ الحقوقِ. ولا يكفي أن تُقامَ للمتهمِ محكمةٌ صوريّةٌ، ثم يُقالَ بعد ذلك إنَّ قتلَه تمّ بناءً على حكمٍ قضائيٍّ؛ لأنَّ العبرةَ ليست باسمِ المحكمةِ وحدَه، وإنما بحقيقةِ القضاءِ، واختصاصِ الجهةِ التي أصدرتِ الحكمَ، واستقلالِها، وسلامةِ إجراءاتِها، وضماناتِ صحّةِ المحاكمةِ التي سبقتْ تنفيذ الحكمِ.
وحتى لو صدرَ حكمُ القتلِ في صورةِ حكمٍ قضائيٍّ، فإنَّ الواجبَ قبل تنفيذِه التحقّقُ من سلامةِ إجراءاتِ القبضِ والتحقيقِ، وصحّةِ جمعِ الحججِ والبيّناتِ، وانتفاءِ الإكراهِ والتعذيبِ، وتمكينِ المتهمِ من محامٍ مستقلٍّ ودفاعٍ حقيقيٍّ، وإتاحةِ الوقتِ والوسائلِ الكافيةِ لمناقشةِ الأدلةِ والشهودِ، واستكمالِ درجاتِ التقاضي والطعنِ التي يقرّرُها القانونُ. فبابُ الدماءِ من أخطرِ أبوابِ القضاءِ؛ وإذا كانَ فقهاءُ المسلمينَ قد قرّروا درءَ الحدودِ بالشبهاتِ، وأوجبوا الاحتياطَ الشديدَ في سرقةِ ربعِ دينارٍ من الذهبِ، فكيفَ إذا تعلّقَ الأمرُ بإزهاقِ نفسٍ لا يمكنُ تداركُها بعد تنفيذِ الحكمِ؟!
وفي أعرافِ الدولةِ الحديثةِ وقواعدِها الدستوريّةِ، لا يكفي لصحّةِ الحكمِ أن يصدرَ ممّن سمّى نفسَه محكمةً، بل لا بدّ أن يصدرَ عن جهةٍ قضائيّةٍ مختصّةٍ، منشأةٍ وفقَ القانونِ، ومستقلّةٍ عن أطرافِ الخصومةِ.
وقد حسمتِ الدائرةُ الدستوريّةُ بالمحكمةِ العليا الليبيّةِ هذه المسألةَ عندما قضتْ، في الطعنِ الدستوريِّ رقمِ 22 لسنةِ 71 قضائيّةٍ، بعدمِ دستوريّةِ إسنادِ محاكمةِ المدنيّينَ في جرائمِ الإرهابِ والجرائمِ المرتكبةِ ضدّ شخصيّةِ الدولةِ إلى المحاكمِ العسكريّةِ” ولعل السبب- حسب تقديري- أنَّ الجهةَ التي شكّلتْ هذه المحكمةَ وعيّنتْ قضاتَها قد تكونُ هي نفسُها أحدَ أطرافِ الاقتتالِ في السابقِ، وهذا يُخلّ بمبدأِ العدلِ والمساواةِ، وحقِّ التقاضي أمامَ القاضي الطبيعيِّ، واستقلالِ السلطةِ القضائيّةِ، كما أنني راجعتُ موادَّ القانونِ رقمِ (3) لسنةِ 2014م، الصادرِ عن مجلسِ النوابِ بشأنِ مكافحةِ الإرهابِ بتاريخِ 19/9/2014م، فلم أجدْ في أحكامِه نصًّا يقرّرُ عقوبةَ الإعدامِ على الجرائمِ المنصوصِ عليها فيه، إلا العقوبات التي تقرّرُها القوانينُ الساريةُ؛ ولذلك فإنَّ القولَ بجوازِ الحكمِ بالإعدامِ في واقعةٍ معيّنةٍ لا بدَّ أن يستندَ إلى نصٍّ عقابيٍّ آخرَ نافذٍ، وأن تتوافرَ شروطُ انطباقِه على الواقعةِ والمتهمِ، وفقًا لقواعدِ الاختصاصِ والمحاكمةِ العادلةِ.

إن ما حدثَ في ليبيا خلالَ السنواتِ الماضيةِ هو – في جانبٍ كبيرٍ منه – صراعٌ سياسيٌّ مسلّحٌ، وإن حاولتْ أطرافٌ فيه إضفاءَ صبغةٍ دينيّةٍ أو وطنيّةٍ أو مناطقيّةٍ من أجل تبريره أو تأجيجه ! وقد تحاكمتْ فيه أطرافُ النزاعِ إلى القوّةِ والسلاحِ. ومثلُ هذه النزاعاتِ الأهليّةِ لا تكفي في معالجتِها قواعدُ العقابِ الجنائيِّ الفرديِّ وحدَها، بل تحتاجُ – بعد توقّفِ القتالِ – إلى مسارٍ شاملٍ من العدالةِ الانتقاليّةِ، يجمعُ بين كشفِ الحقيقةِ، والمساءلةِ عمّا ثبتَ من الجرائمِ الجسيمةِ، وجبرِ الضررِ، وإنصافِ الضحايا، والإصلاحِ المؤسسيِّ، والمصالحةِ الوطنيّةِ، وضماناتِ عدمِ التكرارِ.
ثم إنَّ آثارَ الخطأِ في الدماءِ لا تقفُ عند الفردِ الذي أُزهقتْ روحُه، بل تمتدّ إلى أسرتِه وأبنائِه وقرابتِه ومجتمعِه، وتزدادُ خطورتُها في مجتمعٍ كالمجتمعِ الليبيِّ، ما تزالُ فيه الروابطُ العائليّةُ والقبليّةُ والاجتماعيّةُ حاضرةً بقوّةٍ، بما قد يحوّلُ الظلمَ الفرديَّ إلى ثأرٍ اجتماعيٍّ وصراعٍ ممتدٍّ يصعبُ احتواؤُه.
وممّا ينبغي التنبيهُ إليه أنَّ الشريعةَ الإسلاميّةَ فرّقتْ في أحكامِها بين “القتلِ” أو الجنايةِ الفرديّةِ بالقتلِ العمدِ، وبين “الاقتتالِ” أو ما يقعُ من الدماءِ في سياقِ الاقتتالِ الجماعيِّ المسلّحِ؛ ولذلك أفردَ الفقهاءُ لقتالِ أهلِ البغي والفتنةِ أحكامًا تختلفُ في بعضِ آثارِها عن أحكامِ القصاصِ في القتلِ الفرديِّ. غيرَ أنَّ هذا التفريقَ لا يعني إسقاطَ المسؤوليةِ عن كلِّ دمٍ أُريقَ زمنَ الاقتتالِ؛ فما وقعَ حالَ القتالِ وبسببِه له تكييفُه وأحكامُه، أمّا قتلُ مَن خرجَ من القتالِ، أو وقعَ في الأسرِ والاحتجازِ، أو قتلُ المدنيينَ، أو التعذيبُ، أو التصفيةُ والانتقامُ خارجَ مقتضياتِ القتالِ، فهذه أفعالٌ مستقلّةٌ يجبُ التحقيقُ فيها، وتحديدُ المسؤوليةِ عنها وفقَ أحكامِ الشريعةِ والقانونِ وضماناتِ القضاءِ العادلِ.
وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ مَن يقعُ في قبضةِ الطرفِ الآخرِ بعد خروجِه من القتالِ هو أخٌ في الدينِ وشريكٌ في الوطنِ، لا يفقدُ كرامتَه الإنسانيّةَ، ولا تسقطُ حرمةُ دمِه، ولا يجوزُ أن يتحوّلَ احتجازُه إلى وسيلةٍ للثأرِ أو تصفيةِ الحساباتِ، ولا يجوزُ الانتقامُ منه لمجرّدِ انتمائِه أو موقفِه؛ بل يصبحُ – متى أصبحَ خارجَ القتالِ أو في الاحتجازِ – مشمولًا بضماناتِ الحمايةِ التي قرّرتْها الشريعةُ الإسلاميّةُ، كما تحميه قواعدُ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، وفي مقدّمتِها المادةُ الثالثةُ المشتركةُ بين اتفاقياتِ جنيفَ، التي تحظرُ الاعتداءَ على الحياةِ، والتعذيبَ، والمعاملةَ المهينةَ، وتنفيذَ الأحكامِ دون محاكمةٍ أمامَ محكمةٍ مشكّلةٍ تشكيلًا قانونيًّا، تتوفّرُ فيها الضماناتُ القضائيّةُ الأساسيّةُ.
ولهذا فإنَّ الواجبَ اليومَ على العقلاءِ من أعيانِ القبائلِ، وعلى كلِّ مَن هو في موقعِ النصحِ والمشورةِ والتأثيرِ، وعلى الهيئاتِ الليبيّةِ المختصّةِ، وعلى المؤسساتِ الحقوقيّةِ والدوليّةِ المعنيّةِ، أن تعملَ بصورةٍ عاجلةٍ على حمايةِ جميعِ مَن تبقّى داخلَ السجونِ ومراكزِ الاحتجازِ، في الشرقِ والغربِ والجنوبِ، وبصرفِ النظرِ عن انتماءاتِهم ومواقفِهم، وأن تضمنَ عرضَ مَن تثبتُ في حقِّه تهمةٌ جنائيّةٌ على القضاءِ المختصِّ، في محاكمةٍ علنيّةٍ وعادلةٍ، تتوفّرُ فيها جميعُ ضماناتِ الدفاعِ والتقاضي والطعنِ، بعيدًا عن الإكراهِ والانتقامِ والاستقطابِ السياسيِّ.
إنَّ العدالةَ لا تعني تبرئةَ المجرمِ، أو توفيرَ حمايةٍ لمن مارسَ الإرهابَ في أبشعِ صورِه، كما لا تعني الانتقامَ من المتهمِ بمجرّدِ الظنِّ، أو بسببِ الانتماءِ والموقفِ السياسيِّ؛ وإلّا وقعنا في بابٍ من أبوابِ الظلمِ المتعلّقِ بالدماءِ. وهذا الظلمُ لا ينتهي عندَ قتلِ فردٍ، وإنما يتحوّلُ – إذا أصبحَ سياسةً أو عرفًا – إلى نذيرِ خطرٍ على الدولةِ ذاتِها؛ فيزيدُ من ضعفِ القضاءِ، ويهدرُ هيبةَ القانونِ، ويزرعُ الثأرَ في المجتمعِ، ويعمّقُ الانقسامَ، ويدفعُ البلادَ خطوةً أخرى نحوَ تفكّكِ الدولةِ وضياعِ سلطانِ الحكمِ والقانونِ.
واللهُ أعلمُ، وعلمُه أتمُّ وأحكمُ، وصلّى اللهُ على سيّدِنا محمّدٍ، وعلى آلهِ وسلّمَ.
كتبه: د. ونيس المبروك الفسيي
