
تحرير درنة من داعش بدأ بأيدي أبنائها
تتعرض الذاكرة التاريخية لمدينة درنة لمحاولات متواصلة لإعادة صياغة وقائع الحرب على تنظيم «داعش»، بما يصور أن قوات خليفة حفتر هي التي حررت المدينة من التنظيم، متجاهلًا الدور الذي لعبه أبناء درنة ومقاتلو مجلس شورى مجاهدي درنة في مواجهة التنظيم وطرده من أحياء المدينة.
وتشير الوقائع الموثقة إلى أن المواجهة الحاسمة بين مجلس شورى مجاهدي درنة وتنظيم «داعش» بدأت في يونيو 2015، عندما أعلن المجلس الحرب على التنظيم، بدعم من مقاتلين من أبناء المدينة. وخلال أيام من القتال، تمكنت قوات المجلس من طرد عناصر «داعش» من عدد كبير من مواقعهم ومقراتهم داخل المدينة.
وفي يوليو 2015، أقر تنظيم «داعش» نفسه بخسارته مواقعه في درنة، معلنًا خروجه من المدينة بعد المعارك التي خاضها ضد الجماعات المسلحة المحلية.
الفتائح.. آخر معاقل التنظيم خارج المدينة
بعد إخراج «داعش» من الأحياء الرئيسية، تركزت فلول التنظيم في منطقة الفتائح، الواقعة خارج مركز درنة، واستمرت المواجهات هناك لفترة طويلة.
وفي أبريل 2016، أعلن مجلس شورى مجاهدي درنة تحرير المدينة والمناطق المحيطة بها بالكامل من التنظيم. وتؤكد تقارير تلك الفترة أن عناصر «داعش» انسحبوا من مواقعهم في الفتائح باتجاه مدينة سرت، التي أصبحت لاحقًا أحد أبرز معاقل التنظيم في ليبيا.
كما تشير تقارير بحثية وإعلامية إلى أن مقاتلي «داعش» قطعوا مسافات طويلة للوصول إلى سرت، مرورًا بمناطق كانت خاضعة لقوات حفتر، وهو ما أثار منذ ذلك الوقت تساؤلات سياسية وعسكرية حول كيفية تمكن تلك الأرتال من الانتقال.
لكن القول الجازم إن حفتر «أمّن ممرًا متفقًا عليه» للتنظيم يحتاج إلى وثائق أو أدلة مستقلة حاسمة، ولذلك تبقى هذه النقطة محل اتهام سياسي لا ينبغي تقديمها كحقيقة مثبتة دون دليل إضافي.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: درنة سبقت اجتياح 2018 بعامين دون داعش
النقطة الأهم في قراءة تاريخ درنة هي التسلسل الزمني.
فبحلول أبريل 2016، كان «داعش» قد خرج من درنة، بينما بقيت المدينة تحت سيطرة القوى المحلية المناهضة لحفتر. وفي مايو 2018 بدأت قوات حفتر عملية عسكرية واسعة للسيطرة على المدينة. أي أن عملية 2018 جاءت بعد فترة طويلة من إخراج التنظيم من المدينة، ولم تكن عملية بدأت من أجل طرد «داعش» من أحياء كانت لا تزال تحت سيطرته.
وبالتالي، فإن اختزال حرب درنة في شعار «تحرير المدينة من داعش عام 2018» يتجاهل حربًا سابقة خاضها أبناء المدينة ضد التنظيم وانتهت بخروجه من درنة قبل ذلك بسنوات.
درنة في مواجهة الحصار قبل معركة 2018
خلال الفترة التي سبقت اجتياح 2018، ظلت درنة تحت حصار شديد فرضته قوات حفتر، مع قيود على دخول الوقود والغذاء والدواء وغاز الطهي، وفق تقارير حقوقية. كما وثقت هيومن رايتس ووتش بدء العملية العسكرية البرية والجوية لقوات حفتر ضد المدينة في مايو 2018.
وهنا تبرز مفارقة جوهرية: المدينة التي جرى تقديم اقتحامها لاحقًا باعتباره حربًا على الإرهاب كانت، بحسب التسلسل الزمني الموثق، قد شهدت إخراج «داعش» منها قبل بدء عملية 2018 بعامين تقريبًا.
قرنادة.. من هم المعتقلون؟
تُطرح اليوم رواية إعلامية تربط معتقلي سجن قرنادة بتنظيم «داعش» بصورة عامة، في محاولة لإعادة تقديم الصراع في درنة باعتباره مواجهة بين قوات حفتر وتنظيم إرهابي.
لكن هذه الرواية تحتاج إلى التدقيق في هويات المعتقلين وتهمهم وأحكامهم القضائية، لا الاكتفاء بوصفهم جميعًا بأنهم «دواعش».
وتؤكد تقارير حقوقية أن قوات حفتر اعتقلت منذ مايو 2018 مئات من سكان درنة، وأن بينهم مدنيين وأشخاصًا اعتُقلوا في منازلهم أو عند نقاط التفتيش، مع ورود تقارير عن احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي ودون اتهامات رسمية واضحة.
بين ذاكرة المدينة والدعاية السياسية
المشكلة الأساسية ليست فقط في الخلاف حول من دخل درنة عام 2018، وإنما في محاولة إعادة كتابة السنوات التي سبقت ذلك.
فالمصادر المعاصرة للأحداث توثق أن مجلس شورى مجاهدي درنة خاض معارك مباشرة ضد «داعش»، وأن التنظيم فقد مواقعه داخل المدينة في يونيو ويوليو 2015، ثم ظل في الفتائح إلى أن انسحب منها في أبريل 2016.
وعليه، فإن أبناء درنة الذين قاتلوا التنظيم وطردوه من أحيائهم لا يمكن محو دورهم من التاريخ بمجرد إعادة استخدام مقاطع قديمة لعناصر «داعش» أو تقديم حرب 2018 باعتبارها بداية تحرير المدينة من التنظيم.
الحقيقة التي يجب أن تبقى في ذاكرة درنة
درنة عرفت تنظيم «داعش»، لكنها خاضت ضده حربًا قبل معركة 2018، وتمكنت القوى المحلية فيها من طرده من أحياء المدينة، ثم أُعلن تحريرها بالكامل من التنظيم في أبريل 2016.
أما معركة 2018، فكانت حربًا أخرى؛ حربًا شنتها قوات حفتر للسيطرة على مدينة كانت تحت سيطرة مجلس شورى مجاهدي درنة، وقد وثقت المنظمات الحقوقية ما رافقها من حصار وانتهاكات واعتقالات واسعة بحق سكان المدينة.
ولهذا، فإن استعادة الذاكرة الحقيقية لدرنة تتطلب الفصل بين الحدثين: حرب أبناء درنة على داعش، ثم حرب قوات حفتر للسيطرة على درنة.
هذه هي الرواية التي يجب أن تُناقش بالوثائق والشهادات وأسماء الضحايا والمعتقلين، بعيدًا عن الدعاية التي تختزل تاريخ مدينة كاملة في رواية سياسية واحدة.
