
في توقيت لافت، تتقاطع في ليبيا تطورات أمنية ونفطية تفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل مسارات النفط الليبي، في وقت تتعرض فيه منشآت الطاقة في غرب البلاد لهجمات متكررة، بالتزامن مع طرح مشروع لإنشاء خط أنابيب يربط مدينة طبرق بالإسكندرية المصرية.
خلال الأيام الماضية، تعرض مجمع الزاوية النفطي لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت تخزين الوقود، وأدت إحدى الهجمات إلى اشتعال خزان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين. ورغم السيطرة على الحرائق، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من إمكانية وقف عمليات المصفاة وإعلان حالة القوة القاهرة إذا استمرت الهجمات.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى موقع مصفاة الزاوية داخل منظومة الطاقة الليبية؛ فالمجمع يعد من أهم مراكز النفط في غرب البلاد، وترتبط بنيته التحتية بتدفقات الخام القادمة من حقل الشرارة، أحد أكبر حقول النفط الليبية.
في المقابل.. مشروع نفطي يتجه شرقاً
في العاشر من أغسطس الجاري، برزت تقارير عن دراسة مصر وليبيا إنشاء خط أنابيب بطول يقارب 800 كيلومتر، يمتد من طبرق إلى الإسكندرية، بتكلفة أولية تتجاوز مليار دولار.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤول حكومي مصري، يهدف المشروع إلى نقل الخام الليبي إلى مصافي التكرير المصرية على البحر المتوسط، فيما لا يزال في مرحلة الدراسات الفنية والبحث عن آليات التمويل وتحديد الكميات والطاقة الاستيعابية.
وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف: بينما تتعرض إحدى أهم حلقات المنظومة النفطية في غرب ليبيا لضغوط أمنية متصاعدة، يجري الحديث عن إنشاء مسار جديد لنقل الخام الليبي باتجاه الشرق ثم إلى مصر.
هل هناك علاقة بين الحدثين؟
حتى الآن، لا توجد معلومات موثوقة تثبت وجود علاقة مباشرة بين الهجمات على مصفاة الزاوية ومشروع خط طبرق–الإسكندرية، ولذلك فإن الربط بينهما باعتباره سبباً ونتيجة سيكون استنتاجاً سابقاً لأوانه.
لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن الحدثين يستحقان القراءة معاً.
فاستمرار اضطراب المنشآت النفطية في غرب ليبيا قد يزيد الحاجة إلى تأمين مسارات بديلة لنقل الخام، بينما يمكن لخط طبرق–الإسكندرية، إذا انتقل من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ، أن يوفر مساراً جديداً للخام الليبي نحو منشآت التكرير المصرية.
وهذا يعني أن المشروع، في حال إنجازه، لن يكون مجرد خط أنابيب لنقل النفط، بل يمكن أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل خريطة تدفقات النفط الليبي.
الزاوية.. لماذا تمثل نقطة حساسة؟
أهمية ما يحدث في الزاوية لا تتعلق بالمصفاة وحدها. فالمجمع النفطي يمثل عقدة مهمة في منظومة تخزين وتوزيع وتكرير المنتجات النفطية في غرب البلاد، ولذلك فإن تعطيله لفترة طويلة يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز حدود المدينة.
وتشير التقارير إلى أن الهجمات المتكررة على المنطقة باتت تشكل تهديداً أوسع لأمن الطاقة في ليبيا، خصوصاً مع استمرار التنافس بين مجموعات مسلحة في المنطقة الغربية.
وفي المقابل، فإن خط طبرق–الإسكندرية يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تتجه ليبيا تدريجياً إلى تنويع منافذ ومسارات تصدير واستغلال الخام بعيداً عن الاعتماد على البنية النفطية القائمة في الغرب؟
النفط بين الأمن والسياسة
النفط في ليبيا ليس مجرد مورد اقتصادي؛ بل يمثل أحد أهم مصادر النفوذ السياسي والمالي.
ولهذا فإن السيطرة على الموانئ وخطوط الأنابيب والمصافي ومنشآت التخزين تعني عملياً امتلاك قدرة مؤثرة على حركة جزء كبير من الاقتصاد الليبي.
ومن هذه الزاوية، فإن أي مشروع جديد لنقل الخام يجب أن يُقرأ ليس فقط من حيث الجدوى الاقتصادية، وإنما أيضاً من حيث تأثيره على توازنات القوى ومسارات النفط داخل ليبيا.
فإذا أصبح خط طبرق–الإسكندرية واقعاً، فقد تتحول طبرق إلى نقطة رئيسية في مسار جديد للخام الليبي نحو مصر، وهو ما قد يمنح المنطقة الشرقية وزناً إضافياً في خريطة الطاقة الليبية.
هل نحن أمام مصادفة أم بداية تحول؟
الجواب لا يزال غير واضح.
المؤكد أن الهجمات على الزاوية حقيقية ومتكررة، ومشروع طبرق–الإسكندرية مطروح فعلاً للدراسة. أما وجود علاقة مباشرة بين الأمرين، فلا توجد حتى الآن أدلة منشورة تسمح بالجزم بها.
لكن تزامن التطورين يفرض سؤالاً أكبر:
هل تشهد ليبيا بداية إعادة رسم لخريطة الطاقة، بحيث تتغير مسارات النفط تبعاً للتوازنات الأمنية والسياسية الجديدة؟
الإجابة ستتضح مع ثلاثة مؤشرات رئيسية: مصير مصفاة الزاوية، ومدى استمرار الهجمات على منشآت النفط في الغرب، وما إذا كانت القاهرة وطرابلس ستنتقلان بمشروع طبرق–الإسكندرية من مرحلة الدراسات والتمويل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وفي بلد يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة لكنه يعاني منذ سنوات من الانقسام السياسي والأمني، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون فقط حول إنتاج النفط، وإنما حول الطرق التي يسلكها النفط ومن يملك السيطرة عليها.
