
فهم لم يختلفوا لمجرد الاختلاف، ولا لإثبات النفوذ، ولا لشيء مما وقر في صدور بعض المبغضين الذين ضاقت صدورهم ذرعًا باتساع دائرة اختلاف التنوع الذي يميّز هذا التشريع الإسلامي الجميل!
العلماء لا يختلفون لهوىً في نفوسهم ولا عنادًا؛ وهم أرفع قدرًا من أن تُحمل خلافاتهم على ذلك. وإنما يختلفون لأن وجهًا في الحكم قد يتضح لأحدهم ولا يتضح للآخر، أو لأن شبهةً في معاملة يراها أحدهم حيث لا يراها غيره، أو لأن قولًا أجازه بعض العلماء السابقين واطمأن إليه فريق، بينما لم يرَ آخرون جوازه أو لم يطمئنوا إلى دليله.
وهكذا كان الفقه دائماً ، وهكذا نما واتسع وأثمر وتنوع !
ومن ثم، فإن نقاشًا من هذا النوع ينبغي ألا يُستقبل بالخصومة، بل بالترحيب؛ لأنه نقاش صحي، واختلاف نافع، وتنوّع في النظر غايته واحدة: أن تُضبط عملياتنا المالية وفق ما يرضي الله، وأن تُنقّى معاملات الناس من مواطن الشبهة بقدر ما يستطيع أهل العلم إلى ذلك سبيلًا.
لا يسرّني أن أصطف خلف الشيخ الصادق في مواجهة الشيخ حمزة؛ فذلك، لعمر الله، خدش كبير في معرفة مقامات الرجال. ونحن لسنا في معركة رايات، ولا في مباراة ينتظر فيها كل جمهور هزيمة الآخر!
والذي يهمني أن أستمع إلى زاويتي نظر هذين الفقيهين الكبيرين، وأن يضع كل واحد منهما حجته على الطاولة؛ ليثري رصيدنا الفقهي من الآراء ووجهات النظر، وحتى يستفيد مصرفنا المركزي من هذا الخلاف، فيراجع معاملاته، ويحررها من كل شبهة يمكنه التحرر منها، ويأخذ من هذا الرأي احتياطه، ومن ذاك تنبيهه؛ فالغاية التي قصدها الفقيهان، وإن اختلف الطريق، واحدة: تجنيب الناس الحرام، وإنقاذهم من شؤم المعصية.
بل إن هذا الخلاف بين علمائنا كان ينبغي أن يكون مثار فخر، وإضافةً للمكتبة الإسلامية، وبابًا جديدًا في فقه التعامل بالعملة الصعبة داخل المصارف الليبية؛ فهذه نازلة لها خصوصيتها وواقعها وتفاصيلها، ومن حقها أن تُبحث وتُناقش وتُمَحَّص.
لكن المؤسف أن يتحول الخلاف الفقهي إلى اصطفاف يشبه الاصطفاف في مدرجات كرة القدم!
هذا يرتدي قميص الشيخ الصادق، وذاك يرفع راية الشيخ حمزة، ثم تبدأ المباراة: هتافٌ للفريق، وصيحات ضد الفريق الآخر، وولاءٌ وعنادٌ لا تستطيع أن تغيّره لعبة جميلة، ولا تمريرة ذكية، ولا حتى تسديدة متقنة تسكن الشباك!
والفقه ـ لحسن الحظ ـ ليس كرة قدم.
فالعالم الذي نحبّه قد يصيب وقد يخطئ، والعالم الذي نخالفه قد يكون عنده من الحق ما فات صاحبنا. والباحث عن حكم الله لا يسأل: من قال؟ قبل أن يسأل: ماذا قال؟ وما حجته؟
فلننزّه العلماء من مدرجات المشجعين، ولنتأدب في حضرة مجالس العلم؛ فذلك ما يليق بمن يبحثون عما يستبرئون به لدينهم.
ولنتركهم يختلفون…
فلعل الله يجعل في اختلافهم سعةً وتنوعا وتصحيحًا لمعاملاتنا، وحفظًا لأموالنا، وبراءةً لديننا وذممنا
فرج كريكش
