
طرابلس – تقرير صحفي
لم تبدأ قصة المسيّرات التي استهدفت منشآت النفط والطاقة في غرب ليبيا من الزاوية بالضرورة. فقبل تلك الهجمات بسنوات، كانت السلطات الإسبانية تحقق في قضية أخرى تتعلق بمحاولة نقل عشرات الطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية إلى شرق ليبيا، في صفقة بلغت قيمتها نحو 14.3 مليون يورو.
ومع ظهور أسماء متقاطعة في ملفات إسبانية وإيطالية وتقارير بحثية، يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة بالأدلة: هل توجد صلة بين شبكة المسيّرات التي ظهرت في التحقيق الإسباني والهجمات التي شهدتها الزاوية في 2026؟
حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة تثبت أن المسيّرات التي استُخدمت في هجمات الزاوية هي نفسها التي تناولها التحقيق الإسباني، ولذلك يبقى الربط بين الملفين فرضية تحتاج إلى تحقق مستقل.
44 مسيّرة في ملف إسباني
في ديسمبر 2024، كشفت صحيفة El Independiente أن المحكمة الوطنية الإسبانية تحقق في صفقة تتعلق بـ44 طائرة مسيّرة عسكرية كان يفترض نقلها إلى بنغازي بقيمة 14.298 مليون يورو.
وبحسب الصحيفة، بدأت تحقيقات الحرس المدني الإسباني في نوفمبر 2023، وشملت ثلاث شركات إسبانية. وتضمنت الصفقة، إلى جانب الطائرات المسيّرة، معدات وتجهيزات وتدريبًا لعناصر عسكرية ليبية.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن جزءًا من المعدات تحرك من مدريد إلى فالنسيا ثم برشلونة، قبل أن يتجه إلى بنغازي، مع توقف في مالطا. كما قالت الصحيفة إن شركة إماراتية باسم AHM Investment ظهرت في العقد، واعتبر المحققون أنها واجهة مرتبطة بالجيش الوطني الليبي.
وتأتي القضية في سياق حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، والذي يجعل نقل المعدات العسكرية إلى البلاد دون الموافقات المطلوبة من لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن مسألة قانونية حساسة.

اسم يظهر في قلب الملف
ضمن هذا التحقيق ظهر اسم Josep Saad Fonte.
وفي تحقيق نشرته صحيفة Il Foglio الإيطالية، عُرّف الاسم بأنه يعود إلى الليبي Yusef al-Ubeidi – يوسف العبيدي، وذكرت الصحيفة أنه كان وسيطًا مع خليفة حفتر وأنه مثّل صدام حفتر في سياق ملف يتعلق بالأسلحة ومشروع لتصنيع المسيّرات في بنغازي.
كما أورد تقرير لمنظمة The Sentry في أبريل 2026 الاسم نفسه، مشيرًا إلى أن يوسف العبيدي، المعروف أيضًا باسم Josep Saad Fonte، شخصية من شرق ليبيا ولها صلات بالقوات التابعة للقيادة العامة، وأن الصحافة الإسبانية وصفته بأنه يحمل الجنسية الإسبانية.
وتشير المصادر التي تناولت الملف إلى أن القضية لم تكن تقتصر على شراء المسيّرات، بل ارتبطت أيضًا بخطة لإنشاء مصنع للمسيّرات في بنغازي بمشاركة شركات إسبانية.
من بنغازي إلى الزاوية
بعد ذلك بسنوات، دخلت المسيّرات على خط الأحداث في غرب ليبيا.
فخلال 2026 تعرضت منشآت نفطية في الزاوية لهجمات بطائرات مسيّرة، فيما شهدت منشآت تخزين الوقود في طرابلس حادثًا مماثلًا.
وتناولت تقارير صحفية وإعلامية هذه الهجمات، بينما بدأت السلطات في طرابلس تحقيقات للكشف عن الجهات التي تقف وراءها.
وفي تحقيق نشرته Il Foglio، ونقلت خلاصته مصادر ليبية، ورد اسم عمر مراجع المقرحي باعتباره الشخص الذي تنظر إليه السلطات في طرابلس باعتباره مسؤولًا ميدانيًا مزعومًا عن الهجمات، بينما نقل التقرير أن مراقبين يعتقدون أن عملية بهذا الحجم قد تحتاج إلى مستوى أعلى من التنسيق، وأورد اسم صدام حفتر في سياق الاتهامات التي يتناولها التحقيق.
لكن هذه المعلومات تظل في إطار التحقيقات والاتهامات المنشورة، ولا تعني صدور حكم قضائي يثبت مسؤولية أي من الأشخاص المذكورين.

عمر مراجع.. اسم آخر في القصة
اسم عمر مراجع ليس جديدًا على الملفات المتعلقة بالقوات التابعة لخليفة حفتر.
فمنظمة العفو الدولية سبق أن وثقت في تقرير لها عام 2022 معلومات عن لواء طارق بن زياد، وذكرت أن صدام حفتر يقوده فعليًا، فيما كان عمر مراجع من أبرز قياداته. كما طالبت المنظمة آنذاك بإجراء تحقيقات مستقلة بشأن انتهاكات نسبت إلى عناصر اللواء.
وفي السنوات اللاحقة ظهر مراجع أيضًا في أنشطة ومناورات عسكرية تابعة للقوات المتمركزة في شرق ليبيا.
هذه الخلفية لا تثبت أي علاقة له بهجمات الزاوية، لكنها تفسر سبب ظهور اسمه في التقارير التي تتناول التحقيقات الحالية.
الخيط الإسباني يعود إلى الواجهة
المثير في الملف الحالي هو أن اسم يوسف العبيدي/ Josep Saad Fonte لا يظهر للمرة الأولى في قضية تتعلق بالمسيّرات.
ففي القضية الإسبانية القديمة، ظهر اسمه ضمن شبكة الأشخاص الذين بحثت السلطات الإسبانية في دورهم في عملية نقل المعدات العسكرية إلى ليبيا. وفي تقرير The Sentry، ورد أيضًا أن يوسف العبيدي أبلغ المحققين الإسبان بأن رجل الأعمال أحمد جاد الله كان يؤدي دورًا في العملية نيابة عن صدام حفتر، وهي معلومات نقلها التقرير باعتبارها جزءًا من التحقيقات والمصادر التي اعتمد عليها.
وفي الوقت نفسه، يضع تحقيق Il Foglio الاسم نفسه ضمن سياق أوسع يتعلق بشبكات السلاح والمسيّرات المرتبطة بشرق ليبيا.
وهنا تظهر نقطة التقاطع.
ملف إسباني قديم:
44 مسيّرة، معدات عسكرية، بنغازي، وتحقيق تقوده السلطات الإسبانية.
ملف ليبي حديث:
هجمات بمسيّرات على منشآت في الزاوية وطرابلس، وتحقيقات تبحث عن الجهة المنفذة ومن يقف خلفها.
الأسماء المتقاطعة في التقارير:
يوسف العبيدي/ Josep Saad Fonte، عمر مراجع، وصدام حفتر.
هل المسيّرات هي نفسها؟
هذه هي النقطة التي يجب التعامل معها بأكبر قدر من الحذر.
لا تكفي مطابقة الأسماء لإثبات أن المسيّرات التي وصلت أو كان مخططًا أن تصل إلى بنغازي في القضية الإسبانية هي التي استخدمت لاحقًا في الزاوية.
الإجابة تحتاج إلى أدلة مادية وتقنية، من بينها:
- نوع الطائرة المسيّرة المستخدمة في هجمات الزاوية.
- الشركة المصنعة والمكونات.
- أرقام القطع والأرقام التسلسلية إن وجدت.
- أنظمة الاتصال والتحكم.
- وحدات الملاحة والبرمجيات.
- مصدر المكونات وسلسلة توريدها.
- الجهات التي دفعت ثمنها.
- مسار دخولها إلى ليبيا.
- الأشخاص أو الشركات التي تولت تشغيلها أو تدريب مستخدميها.
وهذه الأدلة، إذا توفرت، يمكن أن تحدد ما إذا كان الملفان منفصلين تمامًا أم أن بينهما صلة فعلية.
من يملك الإجابة؟
القضية، في هذه المرحلة، لا تتعلق فقط بالسؤال: من أطلق المسيّرات؟
بل تتسع إلى أسئلة أخرى:
من وفّرها؟
من موّلها؟
من نقلها إلى ليبيا؟
من تولى تشغيلها؟
وهل هناك شبكة واحدة تقف خلف عمليات مختلفة في شرق وغرب البلاد؟
والأهم: هل أجرت الجهات الليبية التي تحقق في هجمات الزاوية مقارنة بين المعدات التي استخدمت في الهجمات وبين ما ورد في ملف المحكمة الوطنية الإسبانية؟
إذا كانت هناك مطابقة في النوع أو المكونات أو الأشخاص أو الأموال أو طرق التوريد، فقد يمثل ذلك خيطًا مهمًا للتحقيق.
أما إذا لم توجد أي مطابقة، فإن ذلك سيضع حدًا للفرضية التي تربط الملفين.
بين التحقيق والاتهام
وجود أسماء يوسف العبيدي، عمر مراجع، وصدام حفتر في تقارير صحفية أو تحقيقات أو ملفات أمنية لا يمثل، بحد ذاته، حكمًا قضائيًا بالإدانة.
كما أن القضية الإسبانية نفسها تتعلق بتحقيقات في صفقة ومعدات كان جزء منها محل متابعة من السلطات الإسبانية، ولا يجوز تحويل المعلومات الواردة في التحقيقات الصحفية إلى أحكام نهائية.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة ليس: من ندين؟
بل:
هل توجد أدلة قابلة للتحقق تربط شبكة المسيّرات التي ظهرت في إسبانيا بالهجمات التي شهدتها الزاوية؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى رواية سياسية، وإنما إلى ملفات قضائية، وأدلة تقنية، ومسارات مالية، وسجلات شحن واتصالات.
وربما عندها فقط يمكن الانتقال من السؤال:
«من ضرب الزاوية؟»
إلى السؤال الأكبر:
«مَن أدخلكم في الظلام؟»
