ارتفاع الأسعار بنسبة 13.6% وتراجع الودائع تحت الطلب.. والأسرة التي تتقاضى 3 آلاف دينار قد لا يتبقى لها سوى 47 ديناراً بنهاية الشهر.

تعكس مؤشرات الاقتصاد الليبي خلال الربع الثاني من عام 2026 استمرار الضغوط المعيشية التي تواجه المواطنين، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع بعض مؤشرات السيولة المصرفية، إلى جانب زيادة حجم النقد المتداول خارج المصارف.

وتشير الأرقام الواردة في المؤشرات الاقتصادية إلى ارتفاع معدل التضخم إلى 13.6%، وهو ما يعني تراجع القيمة الشرائية للدخل، وارتفاع تكلفة السلع والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل المرتبات الشهرية أقل قدرة على تغطية الاحتياجات اليومية للأسر.

تضخم يلتهم دخول الأسر

يُعد ارتفاع الأسعار من أبرز التحديات التي تواجه المواطن الليبي، إذ لا يقتصر تأثيره على أسعار المواد الغذائية، بل يمتد إلى السكن والمواصلات والصحة والاحتياجات الأخرى.

ولإيضاح حجم التأثير، يمكن النظر إلى أسرة يبلغ دخلها الشهري 3 آلاف دينار، وكانت تنفق قبل ارتفاع الأسعار نحو 2600 دينار على احتياجاتها الأساسية.

وباحتساب زيادة الأسعار بنسبة 13.6%، ترتفع نفقاتها الشهرية التقديرية إلى نحو 2953 ديناراً، موزعة على النحو التالي:

  • المواد الغذائية: من 1000 إلى 1136 ديناراً.
  • السكن: من 700 إلى 795 ديناراً.
  • المواصلات: من 300 إلى 341 ديناراً.
  • الصحة: من 200 إلى 227 ديناراً.
  • احتياجات أخرى: من 400 إلى 454 ديناراً.

وبذلك ينخفض المبلغ المتبقي للأسرة من 400 دينار قبل ارتفاع الأسعار إلى 47 ديناراً فقط، بعد احتساب الزيادة.

وهذا المثال توضيحي، لكنه يكشف كيف يمكن للتضخم أن يستنزف معظم الدخل الشهري، حتى دون حدوث أي زيادة في الإنفاق غير الضروري.

النقد خارج المصارف.. مؤشر على أزمة الثقة والسيولة

ومن المؤشرات اللافتة ارتفاع النقد المتداول خارج المصارف إلى نحو 77.56 مليار دينار، بزيادة بلغت 10.2%.

ويعكس هذا الارتفاع زيادة حجم الأموال الموجودة خارج المنظومة المصرفية، وقد يرتبط بعدة عوامل، من بينها ضعف الثقة في التعاملات المصرفية، وصعوبات السحب، وتفضيل الاحتفاظ بالسيولة النقدية.

وفي المقابل، تراجعت الودائع تحت الطلب إلى نحو 127.26 مليار دينار، بانخفاض نسبته 10.7%.

ويشير هذا التراجع إلى انخفاض حجم الأموال المتاحة في الحسابات المصرفية تحت الطلب، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مستوى السيولة داخل القطاع المصرفي وقدرته على تلبية احتياجات الأفراد والشركات.

الأصول الأجنبية تحت الضغط

وعلى صعيد آخر، سجل صافي الأصول الأجنبية نحو 567.42 مليار دينار، بتراجع قدره 36.61 مليار دينار مقارنة بالفترة المرجعية السابقة.

ويكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة لارتباط الأصول الأجنبية بقدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي وتمويل احتياجات الاستيراد، إذ إن استمرار تراجعها قد يزيد الضغوط على سوق النقد الأجنبي، وينعكس بصورة غير مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خصوصاً الغذاء والدواء.

المواطن يدفع الثمن

تكشف هذه المؤشرات عن تداخل عدة ضغوط اقتصادية؛ فارتفاع الأسعار يقلص القوة الشرائية للمرتبات، وتراجع السيولة المصرفية يزيد صعوبة الحصول على النقد، بينما يمثل تراجع الأصول الأجنبية تحدياً إضافياً للاستقرار النقدي وقدرة الاقتصاد على تمويل الواردات.

وفي ظل هذه الظروف، لا تقاس الأوضاع الاقتصادية للمواطن بحجم المرتب الذي يتقاضاه فقط، بل بما يستطيع شراءه بهذا المرتب بعد احتساب الزيادة في تكاليف المعيشة.

الخلاصة:

المشكلة لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار بنسبة 13.6%، بل تمتد إلى تراجع القدرة الشرائية، وتزايد الاعتماد على النقد خارج المصارف، وتراجع بعض المؤشرات النقدية والمالية.

وبالنسبة للمواطن الليبي، فإن النتيجة الأكثر وضوحاً هي أن المرتب الذي كان يكفي لتغطية احتياجات الأسرة وترك هامش للادخار أو الطوارئ، أصبح بالكاد يغطي المصروفات الأساسية.