الشيخ عصام تليمة يراجع أبرز الاتهامات الموجهة إلى الجماعة: بين أخطاء المنهج وأخطاء الممارسة

ما الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين على مستوى المنهج والفكر؟ وهل ما يُطرح من انتقادات لها يعكس بالفعل أخطاءً جوهرية في منهج الجماعة، أم أن بعضها ناتج عن الخلط بين ممارسات بعض الأفراد وبين الأدبيات والأصول الفكرية للجماعة؟

بهذا السؤال ينطلق الشيخ عصام تليمة في مناقشة عدد من الانتقادات التي وجّهها الدكتور عبد القادر الحسين إلى جماعة الإخوان المسلمين، مؤكدًا منذ البداية أن الإخوان ليسوا معصومين ولا مقدسين، وأن لهم أخطاءً وخطايا كما لكل مدرسة أو جماعة بشرية أخطاؤها.

لكن تليمة يضع مسألة أخرى في قلب النقاش: هل النقد نفسه قائم على معلومات دقيقة وقراءة صحيحة لتاريخ الجماعة وأفكارها؟

الإخوان ليسوا فوق النقد.. لكن النقد أيضًا ليس فوق المراجعة

يرى تليمة أن الاعتراف بأخطاء الإخوان أمر لا جدال فيه، لكن المشكلة تبدأ عندما تُنسب إلى الجماعة أخطاء هي في حقيقتها ممارسات لأشخاص أو ظواهر بشرية موجودة في مدارس واتجاهات متعددة.

فالتعصب للجماعة أو للمذهب أو للمدرسة الفكرية ليس حكرًا على الإخوان، كما أن مظاهر «القداسة» تجاه الأشخاص قد تظهر لدى المنتمين إلى اتجاهات مختلفة، رغم إعلان الجميع أن البشر ليسوا فوق النقد.

لذلك، فإن السؤال المنهجي ليس فقط: هل وقع الخطأ؟ وإنما أيضًا: هل يمثل هذا الخطأ منهج الجماعة فعلًا؟

من ممارسة الأفراد إلى اتهام المنهج

يعتبر تليمة أن من أبرز الإشكالات في النقد الموجه للإخوان، الاستدلال بممارسات بعض المنتسبين إلى الجماعة ثم تقديمها باعتبارها تعبيرًا عن منهجها.

ويقول إن التعامل مع شخص ينتمي إلى مدرسة فكرية لا يكفي للحكم على المدرسة نفسها؛ فقد يكون الشخص معبرًا عن ممارسة معينة، لكنه ليس بالضرورة معبرًا عن المنهج والأصول الفكرية التي تتبناها الجماعة.

ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الوثائق والأدبيات والتاريخ بدل الاكتفاء بالانطباعات أو التجارب الفردية.

«الثقة والكفاءة».. هل كانت سببًا في خروج الشعراوي؟

من الانتقادات التي نوقشت القول إن الإخوان يقدمون الثقة على الكفاءة، وأن هذا كان من أسباب ترك الشيخ محمد متولي الشعراوي للجماعة.

لكن تليمة يقدم رواية مختلفة، موضحًا أن العودة إلى كلام الشعراوي نفسه عن سبب تركه للإخوان تقود إلى سياق آخر، يتعلق بموقف الجماعة من مصطفى النحاس، الذي كان الشعراوي يحمل له تقديرًا خاصًا.

وبالتالي، يرى أن استخدام قصة الشعراوي دليلًا على أن «تقديم الثقة على الكفاءة» يحتاج إلى مراجعة تاريخية دقيقة، لأن السبب الذي يُنسب إليه تركه للجماعة ليس بالضرورة السبب الذي ذكره الشعراوي نفسه.

هل التعصب للإخوان ظاهرة استثنائية؟

يرى تليمة أن التعصب للمنتمين إلى الجماعة أو المدرسة ليس ظاهرة خاصة بالإخوان.

فالتعصب قد يوجد بين أتباع المذاهب والمدارس الفقهية والفكرية المختلفة، ولذلك فإن تحويل هذه الظاهرة البشرية العامة إلى «خطأ فادح» خاص بالإخوان يحتاج إلى معيار أكثر دقة.

فالخطأ يصبح أكثر دلالة عندما يكون خاصًا بالجماعة ومنفردًا بها، لا عندما يكون سلوكًا بشريًا عامًا يظهر لدى كثير من الاتجاهات.

هل اعتبر الإخوان أنفسهم «جماعة المسلمين»؟

ومن الانتقادات الأخرى القول إن الإخوان لم يفصلوا بين جماعتهم وبين جماعة المسلمين.

ويرد تليمة بالعودة إلى أدبيات حسن البنا، مشيرًا إلى أن التعبير الوارد فيها هو أنهم «جماعة من المسلمين»، وليسوا «جماعة المسلمين» بمعنى حصر الإسلام في تنظيمهم.

وقد يقع بعض الأفراد في التعصب أو يتحدثون بلغة توحي بأن جماعتهم تمثل الإسلام وحدها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه هي الفكرة التي تقوم عليها أدبيات الجماعة.

كما يناقش تليمة تفسير خروج الشيخ محمد الغزالي من الإخوان، ويربطه بخلافات تنظيمية وإدارية داخل الجماعة، لا بمجرد اعتقاد الإخوان أنهم «جماعة المسلمين».

أحمد حسن الباقوري.. قراءة أخرى للتاريخ

ومن الانتقادات التي تناولها النقاش القول إن الإخوان تعالوا على علماء الأزهر، والاستدلال على ذلك بعدم تولي عالم أزهري منصب المرشد العام.

لكن تليمة يستشهد بأحمد حسن الباقوري، موضحًا أنه كان من علماء الأزهر، وأنه تولى مسؤولية قيادة الجماعة في فترة غياب حسن البنا، ثم ترك الإخوان لاحقًا بعد توليه وزارة الأوقاف.

كما يشير إلى أن العلاقة بين الباقوري والإخوان لم تنتهِ إلى قطيعة شخصية أو عداء، بل استمرت صلته بهم كعالم وأخ في الله، بل ساهم لاحقًا في مساعدة عدد من الإخوان بعد خروجهم من السجن.

وبالتالي، يرى تليمة أن قراءة هذه المرحلة تحتاج إلى العودة إلى تفاصيلها التاريخية بدل اختزالها في رواية واحدة.

الإخوان والوهابية.. علاقة أكثر تعقيدًا

أما القول إن الإخوان كانوا «جسرًا لإدخال الوهابية» إلى أهل السنة والجماعة، فيراه تليمة توصيفًا غير دقيق.

فالإخوان، بحسب طرحه، تأثروا بعدة مدارس واتجاهات، كما تأثرت مدارس أخرى بهم.

وفي أدبياتهم تظهر عناصر متأثرة بالتصوف، إلى جانب عناصر ذات صلة بالاتجاه السلفي، وهو ما يعكس طبيعة التداخل الفكري بين المدارس الإسلامية.

ويرى أن الإخوان لم ينشأوا بوصفهم امتدادًا حصريًا لمدرسة واحدة، وإنما استفادوا من تجارب واتجاهات متعددة.

«اللامذهبية».. هل أضاع الإخوان الفقه الإسلامي؟

من أكثر النقاط التي يرفض تليمة وصفها بأنها «خطأ فادح» اتهام الإخوان بإضاعة الفقه الإسلامي بسبب نشر اللامذهبية.

ويستند النقاش إلى موقف حسن البنا من قضية التمذهب، وإلى تقديمه لكتاب «فقه السنة» لسيد سابق.

لكن تليمة يلفت إلى أن عدم الالتزام بمذهب فقهي واحد في الفتوى لم يبدأ مع الإخوان، بل كان حاضرًا في المدرسة الإفتائية المصرية الحديثة قبل نشأة الجماعة وبعدها.

ويستشهد بعدد من كبار العلماء والمفتين الذين كانوا يدرسون المذاهب ويتقنونها، لكنهم لا يلتزمون بالضرورة بمذهب واحد في كل فتوى.

حسن البنا والتمذهب.. ماذا تقول أصوله العشرون؟

بحسب تليمة، فإن الرجوع إلى أصول حسن البنا يُظهر أن موقفه من التمذهب لم يكن رفض المذاهب، وإنما إقرار جواز التمذهب، مع الدعوة إلى معرفة أدلة الإمام وقبول الرأي الآخر إذا ظهر أنه أصح بالدليل.

ومن ثم، فإن اختزال موقف الإخوان في «اللامذهبية» باعتبارها أصلًا خاصًا بالجماعة، لا يعكس الصورة كاملة.

كما يناقش تليمة بعض العبارات المتعلقة بالحاكمية والحكم الإسلامي، ويرى أن وضعها في سياقها التاريخي والفكري ضروري لفهم المقصود منها.

الاشتراكية والليبرالية.. هل كان التعامل معها خطأ؟

ينتقل النقاش إلى مصطفى السباعي وكتابه «اشتراكية الإسلام»، وإلى مواقف الشيخ يوسف القرضاوي من الليبرالية والديمقراطية.

ويرى تليمة أن التعامل مع هذه الأفكار لم يكن بالضرورة تبنيًا لها، وإنما كان محاولة لمناقشتها في سياقها التاريخي.

فمصطفى السباعي، بحسب هذا الطرح، كان يواجه انتشارًا واسعًا للأفكار الاشتراكية بين الشباب، فحاول أن يبين أن ما يبحث عنه الناس من عدالة اجتماعية ومساواة يمكن أن يجدوا له جذورًا في الإسلام، مع رفض ما يخالفه منها.

ولهذا يرى تليمة أن السباعي اجتهد فأصاب في جوانب وأخطأ في جوانب أخرى، وربما كان الإشكال في العنوان أكثر منه في أصل الفكرة.

الديمقراطية.. أداة أم عقيدة؟

وفي قضية الديمقراطية، يوضح تليمة أن بعض العلماء لم يقدموا الديمقراطية باعتبارها نظامًا إسلاميًا كاملًا، وإنما باعتبارها حلًا بشريًا جزئيًا لمواجهة الاستبداد.

ومن هنا، فإن الاستفادة من بعض آليات الديمقراطية لا تعني تبني كل فلسفتها أو اعتبارها البديل النهائي للنظام الإسلامي.

والسؤال الذي يطرحه هذا الموقف هو: إذا كانت الخيارات المتاحة بين استبداد كامل ووسيلة بشرية تحد من الاستبداد، فهل رفض الوسيلة لمجرد أنها ليست الحل الإسلامي الكامل يؤدي عمليًا إلى استمرار الاستبداد؟

النقد العادل يحتاج إلى معرفة

في ختام حديثه، يؤكد الشيخ عصام تليمة أن هدفه ليس الدفاع عن الإخوان المسلمين كتنظيم أو تبرئتهم من الأخطاء.

بل على العكس، فهو يقر بوجود أخطاء وخطايا لدى الجماعة، كما توجد أخطاء لدى غيرها من المدارس والجماعات.

لكن القضية الأساسية هي أن النقد لا بد أن يكون مبنيًا على معلومات دقيقة، وعلى معرفة حقيقية بالموضوع محل النقد.

فليس كل خطأ يرتكبه أحد المنتسبين إلى جماعة يمثل منهج الجماعة، وليس كل موقف تاريخي يمكن اختزاله في رواية واحدة، كما أن الاستفادة من فكرة أو أداة بشرية لا تعني بالضرورة تبنيها بالكامل.

الخلاصة: لا أحد فوق النقد.. ولا أحد فوق الإنصاف

الرسالة الأبرز في حديث تليمة تتجاوز الدفاع عن الإخوان أو الهجوم عليهم:

لا أحد فوق النقد، لكن النقد نفسه يجب أن يكون عادلًا ودقيقًا.

فإذا أردنا تقييم جماعة أو مدرسة فكرية، فعلينا أن نقرأ أدبياتها، ونراجع تاريخها، ونميز بين أفكارها وممارسات أفرادها، وبين الأخطاء الخاصة بها والأخطاء البشرية العامة.

فالإنصاف لا يعني تبرئة الإخوان من أخطائهم، كما لا يعني قبول كل ما يقال عنهم.

وإنما يعني ببساطة:

أن نعرف الشيء كما هو، قبل أن نحكم عليه.