تُعد مذكرات عبد السلام جلود، “الملحمة”، بمثابة الصندوق الأسود الذي فُتح أخيراً ليوثق أدق تفاصيل المغامرة الليبية في أفريقيا. لم تكن حرب تشاد مجرد نزاع حدودي عابر، بل كانت مختبراً جيوسياسياً معقداً اصطدمت فيه الشعارات الثورية بصخور الواقع الصحراوي القاسي. في هذا التحليل، نغوص في الصفحات (292-323) لنستكشف كيف تحولت رمال تشاد من حلم بالتمدد “الوحدوي” إلى كابوس عسكري استنزف هيبة الجيش والدولة، وكيف أعاد الرجل الثاني في النظام قراءة هذا الصراع برؤية تجمع بين مرارة التجربة وعمق التحليل الاستراتيجي.

1. “فخ الرمال” – الحقيقة المرة عن جدوى التدخل العسكري يكشف جلود في استهلالية تناوله للملف التشادي (ص 292-295) أن الانخراط الليبي وقع في فخ “الارتهان اللوجستي” والجغرافي. التدخل الذي بدأ تحت غطاء دعم فصائل “فرولينا” الثورية، سرعان ما تحول إلى صراع هوية ووجود في بيئة لا ترحم.

* الجمود الاستراتيجي: اصطدمت القوات الليبية بواقع قبلي وتضاريسي لم تستوعبه التقارير المخابراتية الأولية.

* تآكل الشرعية الميدانية: يوضح جلود أن التحالفات مع الفصائل التشادية كانت “رمالاً متحركة” بحد ذاتها، حيث كان الولاء يُباع ويُشترى وفق موازين القوى اللحظية.

* غياب الهدف النهائي: يعترف جلود ضمنياً بوجود ضبابية في تعريف “النصر”؛ هل هو تأمين قطاع أوزو أم السيطرة على العاصمة انجامينا؟

“إن الجغرافيا في تشاد كانت تحاربنا قبل البشر؛ لقد غصنا في رمال متحركة كلما حاولنا الخروج منها، ازددنا انغماساً في تعقيداتها القبلية التي جعلت من الصديق عدواً في لمح البصر.”

2. “حرب التويوتا” والانكسار التكتيكي للآلة النظامية في تحليل عسكري رصين، يصف جلود التحول النوعي الذي طرأ على المعارك، حيث واجه الجيش الليبي ما يُعرف تاريخياً بـ “حرب التويوتا”. كانت هذه المرحلة تمثل “صدمة تكتيكية” كبرى للقيادة الليبية التي تدربت على العقيدة السوفيتية التقليدية.

* المفارقة العسكرية: جيش ليبيا الثقيل (دبابات T-55 ومدافع ذاتية الحركة) وجد نفسه مشلولاً أمام قوات تشادية خفيفة الحركة تستخدم سيارات الدفع الرباعي المزودة بصواريخ “ميلان” الفرنسية.

* تحييد التفوق النوعي: يوضح جلود كيف نجحت حركة “الفرسان الجدد” في تحويل الصحراء المفتوحة إلى كمين كبير للرتل العسكري الليبي البطئ.

* الفشل في التكيف: يرى جلود أن عدم قدرة الضباط الليبيين على التخلي عن “كتالوج” الحرب النظامية أدى إلى كوارث ميدانية في مناطق مثل وادي دوم.

3. كواليس “لعبة الظل” والصدام مع الإرادة الفرنسية في الصفحات (300-315)، يفكك جلود تعقيدات الصراع “الليبي-الفرنسي”، مؤكداً أن باريس كانت تدير المعركة بعقلية “الاستعمار الجديد” (Neo-colonialism) لحماية نفوذها الفرانكوفوني، بينما كانت ليبيا تحاول كسر هذا الطوق الاستراتيجي.

* إدارة الصراع من الخلف: فرنسا لم تكتفِ بالدعم اللوجستي، بل وفرت غطاءً استخباراتياً جوياً جعل الجيش الليبي “أعمى” في عمق الصحراء.

* ازدواجية المفاوضات: يكشف جلود عن كواليس المفاوضات التي كانت تجري تحت أزيز الطائرات، حيث كان الجانب الفرنسي يمارس سياسة “العصا والجزرة” لإرغام ليبيا على التراجع خلف خط عرض 16.

“فرنسا لم تكن تحارب في تشاد من أجل سيادة تشادية، بل كانت تخوض حرباً بالوكالة للدفاع عن آخر معاقل منظومتها الاستعمارية القديمة في أفريقيا، مستخدمة دماء التشاديين وقوداً لمصالحها.”

4. التناقض بين الطموح الثوري والقدرة العملياتية بمرارة واضحة في الصفحات (318-323)، ينتقد جلود الفجوة الهائلة بين “الأحلام الإمبراطورية” للقيادة السياسية وبين الواقع المتردي للقوات المسلحة. يصف جلود الحالة التي وصل إليها الجيش الليبي آنذاك بـ “الجمود العقائدي”.

* الجيش كمؤسسة اجتماعية: يورد جلود ملاحظة قاسية مفادها أن الجيش الليبي بدأ يتحول إلى ما يشبه “مؤسسة للضمان الاجتماعي” بدلاً من أن يكون قوة قتالية ضاربة، بسبب الترهل الإداري وغياب المحفزات القتالية.

* تضارب الأوامر: أدى تدخل “الشرعية الثورية” في القرارات العسكرية المحضة إلى إرباك القادة الميدانيين، مما تسبب في هزائم كان يمكن تلافيها.

* فشل “الفيلق الإسلامي”: يشير جلود إلى عدم جدوى الرهان على قوى غير نظامية في معارك تتطلب احترافية عالية وتنسيقاً دقيقاً.

5. مأساة الجنود: البعد الإنساني و”خيانة” التجاهل يرصد جلود في أواخر هذا الفصل الجانب الأكثر إيلاماً في الحرب، وهو معاناة الجنود الليبيين والانهيار النفسي الذي أصاب فيلق الضباط بعد الهزائم المتلاحقة.

* قضية الأسرى: يتحدث جلود بمرارة عن إنكار النظام لوجود أسرى ليبيين في البداية، مما خلق شعوراً بالخذلان لدى المقاتلين وعائلاتهم.

* العزلة القاتلة: الجنود في القواعد الأمامية كانوا يعانون من انقطاع الإمدادات وسوء التغذية، فضلاً عن مواجهة عدو يعرف تضاريس الأرض شبراً بشبر.

* الندوب التاريخية: يرى جلود أن هذه الحرب لم تنتهِ بانسحاب القوات، بل تركت “هوية مشوهة” للجيش الذي شعر أنه زُج به في صراع لم يخطط له ولم يُحترم فيه تضحياته.

الخاتمة: ما وراء الرمال (رؤية استشرافية) في ختام قراءته لهذه “الملحمة” المريرة، يخلص عبد السلام جلود إلى أن حرب تشاد كانت نقطة التحول التي كشفت حدود القوة الليبية. لقد كانت التجربة القاسية التي أثبتت أن “عقيدة الصدمة” لا تنجح في مواجهة جغرافيا معادية وإرادة دولية مصممة على التحجيم. يرى جلود أن دروس تشاد هي التي شكلت لاحقاً سياسة ليبيا “الأفريقية” التي مالت نحو الدبلوماسية والمال بدلاً من السلاح.

ويبقى السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه المذكرات على طاولة التاريخ: “هل كانت حرب تشاد مجرد صراع حدودي استنزف موارد ليبيا، أم أنها كانت الفصل الأول في إعادة تشكيل جيوسياسية الصحراء الكبرى التي نعيش آثارها وتداعياتها الأمنية العابرة للحدود حتى اليوم؟”