خاص – المنارة –  2 نوفمبر 2025

دخلت ليبيا رسمياً في مسار سياسي جديد تُحاول الأمم المتحدة من خلاله إطلاق «الحوار المهيكل» كمنصة وطنية واسعة لمناقشة القضايا الأساسية (المرجعية الدستورية، ترتيب المؤسسات، الأمن، الاقتصاد). جاء ذلك في سياق تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) وفتحها باب الترشيح للمشاركين. في المقابل، أصدرت شخصيات وقوى في الشرق — بقيادة خليفة حفتر وحكومة حماد — مواقف رفض أو تشكك في شرعية المسار، ما يضع البعثة أمام عدة سيناريوهات: من مقاطعة سياسية وازدواجية مؤسسية، إلى تصعيد أمني أو متابعة المسار بصيغة ناقصة. التقرير يجمع التقييم السياسي والسيناريوهاتي ويعرض توصيات عملية عاجلة لتقليل مخاطر التعثّر.

1. الخلفية والسياق المؤسسي

مجلس الأمن مدد ولاية UNSMIL، والبعثة أعلنت عن استقبال ترشيحات للحوار المهيكل بهدف دعم خارطة طريق سياسية ليبية-قادَة وملكية وطنية للعملية.

المسار الحالي يأتي على خلفية عقود من الانقسام بين شرق البلاد وغربها، وتعثر متكرر في إجراء انتخابات شاملة منذ 2021، وحضور مطالب مجتمعية بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.

خلال الأيام والأسابيع الأخيرة تصاعدت تصريحات من جهات شرقية رافضة لتوجه البعثة و«آلياتها»، وطالبت بمسارات بديلة أو بضمانات أكبر حول سيادة القرار الوطني.

2. أهداف وآليات «الحوار المهيكل» كما أعلنت البعثة

الهدف: تشكيل منصة وطنية تضم ممثلين من البلديات، الأحزاب، الجامعات، منظمات المجتمع المدني، والجهات التقنية (أمن، اقتصاد، قانون) لصياغة توافقات حول القضايا الجوهرية.

معايير المُرشحين المعلنة: تمثيل جغرافي متوازن، تخصيص حصة للنساء (هدف 35%)، إشراك الشباب، شرط الخبرة أو الصلة بالموضوعات الأساسية، ونزاهة تضمن عدم تمثيل جهات مسلّحة أو متورّطة في انتهاكات.

3. قراءة أولية: هل دخلت ليبيا «مرحلة سياسية جديدة»؟

الإجابة الإجرائية هي نعم مشروطة: الإعلان عن الحوار المهيكل وتمدِيد ولاية البعثة يشيران إلى انتقال من «محاولات وساطة محدودة» إلى مسعى لإطلاق عملية تشاركية أوسع قد تُعيد رسم قواعد اللعبة السياسية. لكن: نجاح هذه المرحلة مشروط بمدى شمولها ومصداقية آلياتها لدى الشرق والغرب داخلياً، وبمدى استعداد الفواعل الإقليمية والدولية لاحترام نتائجها.

4. موقف معسكر الشرق (حفتر – حكومة حمّاد – مجلس النواب) وتأثيره

مواقف رافضة وصريحة صدرت تؤكد رفضاً لتوجه البعثة باعتبار أن بعض الخطوات «تجاوز للسيادة» أو أنها قد تُهمّش مصالح الشرق.

هذا الرفض يُشكّل عامل خطر أساسي لأنه يمكن أن يؤدي إلى مقاطعة النتائج، إقامة هياكل موازية، أو حتى تصعيد أمني بحسب المعطيات المحلية وقدرة الفواعل على تعبئة مواردهم ومليشياتهم.

5. السيناريوهات المتوقعة في حال رفض حفتر نتائج الحوار

ملاحظة: كل سيناريو مرفق بتقدير احتمالي تقريبي

(مرتفع/متوسط/منخفض) وتأثيره المباشر.

السيناريو A — مقاطعة سياسية رسمية لنتائج الحوار

الاحتمالية: متوسطة – مرتفعة (قائم حالياً كخيار سياسي واضح).

النتيجة: نتائج الحوار تفقد شرعيتها على مستوى شرائح واسعة في الشرق؛ يصعب تطبيق توصيات وطنية بدون مشاركة كاملة.

ردود الفعل المحتملة: ضغوط دبلوماسية لمحاولة استدراك المقاطعة، دعوات إلى آليات إشراك إضافية.

السيناريو B — بناء مؤسسات موازية أو شرعنة بديلة

الاحتمالية: متوسطة (تزداد إن طال الرفض).

النتيجة: ازدواجية مؤسسية تؤدي إلى اشتباكات حول الموارد (رواتب، نفط)، وتعقيد إدارة الشأن العام.

ردود الفعل المحتملة: محاولات دولية للتفاوض الثنائي أو فرض قيود فنية على التعامل مع هياكل غير موحّدة.

السيناريو C — تصعيد أمني محدود أو محلي

الاحتمالية: منخفضة-متوسطة (مرتبطة بتحكم القادة المحليين في الفصائل المسلحة).

النتيجة: مناوشات، إغلاقات طريق، إغلاق موانئ أو حقول نفطية، مما يضعف اقتصاد البلاد ويزيد الضغوط الدولية لاحتواء العنف.

السيناريو D — البعثة تتابع المسار بصيغة ناقصة (استمرار دون شرعية كاملة)

الاحتمالية: متوسطة.

النتيجة: إنتاج توصيات تقنية أو إجرائية قابلة للتطبيق جزئياً؛ نتائجها ستفتقد إلى قبول وطني كامل وقد لا تُترجم إلى تغييرات جوهرية.

السيناريو E — ضغوط دولية/عقوبات على معرقّلي المسار

الاحتمالية: منخفضة-متوسطة (تعتمد على توحّد مواقف المجتمع الدولي).

النتيجة: قد تُجمِع بعض الفواعل على التراجع أو التفاوض، أو قد تُدفع الأطراف للتشبّث بداعميها الإقليميين.

6. تحليلات تكتيكية: ماذا يعني كل سيناريو عملياً؟

مقارنة شرعية vs. واقع القوة: حتى لو أصدر الحوار توصيات قوية، فإن فرضها عملياً يتوقف على قدرة الجهات المتنافسة على تحويل هذه التوصيات إلى واقع مؤسسي.

المنطق الاقتصادي والأمني: أي انعطاف شرقي نحو خلق بدائل سيُصاحبه رسمياً أو غير رسمي طموح لإدارة موارد محلية (نفط، ضرائب)؛ ما قد يولّد أزمات إدارية ومالية.

الدور الإقليمي: اللاعبين الإقليميين (دول تدعم طرفاً أو آخر) سيحاولون استثمار أي فراغ أو فرصة لتعزيز نفوذهم؛ نجاح البعثة مرتبط بقدرتها على إبقاء الفاعلين الخارجيين خارج معادلة الهيمنة.

7. توصيات عملية عاجلة — موجّهة إلى البعثة، الفواعل الليبية المحايدة، والمجتمع الدولي

أ. توصيات فنية وتشغيلية للبعثة (UNSMIL)

الشفافية الكاملة في آلية الاختيار: نشر قواعد مفصّلة، قوائم المتقدمين (مع استثناءات محسوبة لحماية الأفراد)، وآلية تظلم واضحة. هذا يقلل ذرائع الاستبعاد.

قنوات استماع مُخصّصة للشرق: عقد جلسات استماع إقليمية في مدن شرقية (مسارات استماع خارجية بمشاركة رؤساء مجالس محلية ومشايخ) وتعيين مبعوثين تواصلين مختصّين.

آليات بناء ثقة مضمونة: مقترح: «وقف تنفيذ الإجراءات الحسّاسة» (مثلاً تغييرات مؤسسية كبرى) حتى تحقيق حد أدنى من الشمولية.

خريطة إجراءات طوارئ: إعداد سيناريوهات استجابة لحالات مقاطعة/تصعيد، مع خطة تقنية للتعامل مع إدارة الموارد الحيوية (نفط، بنوك) عبر هيئات فنية محايدة.

ب. توصيات للفواعل الليبية المحايدة والمجتمع المدني

ضغط داخلي منظم لطلب إجراء جلسات استماع وتشريك الشرائح الشرقية عبر مبادرات محلية.

مبادرات شراكة تقنية مع جهات شرقية (دعم تقني لمشروعات اقتصادية محلية قابلة للتنفيذ) كحوافز لليدفع نحو المشاركة.

ج. توصيات للمجتمع الدولي والدول الإقليمية

تنسيق دبلوماسي موحّد لمنع أي دعم خارجي يسهِّل إقامة هياكل موازية أو تصعيداً عسكرياً.

حزمة حوافز سياسية-اقتصادية مؤقتة لإقناع الأطراف بالمشاركة (ضمانات اقتصادية لتدفق العائدات النفطية عبر آليات موثوقة).

تهديد مُعلَن بالعقوبات الانتقائية كخيار أخير ضد من يعرقل العملية عمداً — مع وضوح معايير تطبيقها.

8. خارطة زمنية مقترحة لمراحل العمل (اقتراح عملي)

الأسبوعان الأولان: نشر القوائم والآليات، عقد جلسات استماع شرق-غرب، إعلان لجنة تظلمات مستقلة.

الشهر 1–3: إجراء الجولات الحوارية الموضوعية (أمن، اقتصاد، دستور)، مع جلسات توفيقية مركزية.

الشهر 4–6: صياغة مخرجات مرحلية (اتفاقات تقنية قابلة للتطبيق فورياً)، الاتفاق على إجراءات متابعة.

بعد 6 أشهر: تقييم شامل للمسار وقرار بالمضي في تنفيذ توصيات أوسع أو إعادة ضبط المسار.

9. خاتمة واستشراف نهائي

الحوار المهيكل خيار استراتيجي مهم لإخراج ليبيا من حلقة الجمود، لكنه يواجه اختبار الشرعية والقبول من الشرق بقيادة حفتر وبعض قوى الشرق. الاحتمال الأقرب في الأمد القريب هو مقاطعة سياسية أو محاولة خلق واقع بديل — ما يجعل نجاح المسار رهين القدرة على بناء ضمانات شاملة وشفافة تُشير بوضوح إلى الملكية الوطنية واشتراط تحقيق تمثيل حقيقي للشرائح الشرقية. إن فشل المسار سيطيل أمد الانقسام ويزيد كلفة الحل النهائي، بينما نجاحه — ولو جزئياً — قد يفتح نافذة لإعادة ترتيب المؤسسات والانتقال إلى انتخابات ذات مصداقية على المدى المتوسط.

==============

المراجع والمصادر الأساسية (للاطلاع)

إعلان UNSMIL عن فتح باب الترشيح للحوار المهيكل والوثائق المتعلقة بالمعايير.

بيانات ومواقف صادرة عن شخصيات وقيادات في الشرق (تصريحات حفتر، بيانات حكومة حمّاد).

قرار/بيان مجلس الأمن بتمديد ولاية البعثة والمواقف الرسمية للأمم المتحدة.

تغطيات وتقارير صحفية حول تحركات عسكرية محلية وردود فعل دولية (مرجع تقارير صحفية مختارة).