حرب أوغندا – الحلقة الرابعة والأخيرة

شاهد عيان

اقتربتُ من جاري والدهشة تعلو وجهي، فقلت له بصوتٍ خافتٍ متعجب:
 – “شنو يا حاج؟! شتدير هنا؟!”

ابتسم في البداية، وقال بثقةٍ بسيطة:
 – “جمعونا وقالوا لنا إننا ماشين لحفلة في طبرق!”

تجمدت الكلمات على لساني، ثم قلت له بصوتٍ مبحوح من الصدمة:
 – “حفلة؟! يا حاج، أنت في أوغندا… في قلب إفريقيا! هذه حرب، مش حفلة!”

عندها تجمد في مكانه، اتسعت عيناه بدهشة، وتلعثم لسانه. ظلّ صامتاً للحظات، وكأنه لا يصدق ما يسمع. اقتربت منه أكثر وقلت:
 – “أسمعني زين، خليك مع جماعتك، لا تبتعد عنهم، كونوا حذرين. الوضع خطر جداً.”

كان هذا الحاج من المنتسبين إلى ما يُعرف آنذاك بـ”التجييش العسكري” أو “المقاومة الشعبية”، وهم مجموعة من المدنيين الذين جُمعوا دون تدريب كافٍ، وأُرسلوا إلى جبهةٍ لم يعرفوا عنها شيئاً.

وقبل أن يفترق عني، خلع جرده وفرملته وأعطاني إياهما، ومعهما محفظته الخاصة وفيها بعض النقود الليبية. قال لي:
 – “خذهم يا ولدي، يمكن ما نلتقيش تاني.”

غادر هو ورفاقه في الحافلات نفسها التي جاءت بنا إلى المطار… إلى المجهول. كنت أنظر إليهم من بعيد، والغصة تخنقني.

بعدها نادوا علينا نحن، وبدأنا نصعد إلى الطائرة. كانت حالتنا يُرثى لها: بعضنا حافي القدمين، وآخرون يضمدون جراحهم بقطع قماشٍ بالية. العيون غائرة، والوجوه شاحبة، والقلوب معلقة بخيطٍ من أمل العودة.

لكن لم يكن هناك مكان للجميع؛ امتلأت الطائرة سريعاً، وبقيت مجموعة صغيرة من الجنود في الخارج. نادى قائد الطائرة – وكان برتبة مقدم – بصوتٍ قوي وقال:
 – “خيرهم هذوما؟ ليش واقفين؟”

فرد عليه أحد الضباط:
 – “يا سيدي، الطيارة امتلَت.”

عندها رفع القائد صوته وقال كلمته التي لا تُنسى:
 – “خليهم يركبوا الطيارة… من اخلوهم! يا نوصّلوا مع بعضنا، يا نطيحوا مع بعضنا.”

صعد الجميع، وضاقت الطائرة بأجسادٍ مرهقة لكنها مليئة برجاء النجاة. أُغلقت الأبواب، وأقلعت الطائرة من مطار عين تيبي، تاركةً وراءها رائحة البارود والموت، متجهة نحو ليبيا.

مرت ساعات طويلة قبل أن نلمح سواحل الوطن، وعندها علت أصوات البكاء والدعاء، امتزجت دموع الرجال بصمتٍ مهيب لا يُنسى.

هبطنا أخيراً في قاعدة معيتيقة، حيث استقبلونا بصمتٍ شديد. نقلونا في حافلات زجاجها مظلل إلى معسكرٍ مغلق، وهناك قصّوا شعورنا، وأعطونا ملابس عربية نظيفة ومواد تنظيف. بدأوا يطعموننا جيداً، حتى تعود إلينا أوزاننا التي فقدناها في الجحيم.

وبعد قرابة شهرٍ كامل، أخلوا سبيلنا. خرجنا إلى بيوتنا ونحن نحمل في صدورنا قصصاً لا تُقال. حذرونا من الحديث عن أي شيء رأيناه، وقالوا بالحرف الواحد:
 – “انسوا ما صار، ما تحكوش مع حد.”

لكن تلك الوجوه، وتلك الأصوات، وصرخات الموت، لم تُمحَ من ذاكرتي ما حييت.

بعد مدة، طلبت حضور أخ الحاج الذي رأيته في المطار، وحكيت له القصة. قلت له:
 – “أمانة أخوك – الجرد، والفرملة، والمحفظة – ما قدرت نسلمها لعائلته، حتى ما يظنّوه مات.”

نظر إليّ بعينٍ دامعة وقال:
 – “خليهم عندك، لين يرجع سالم بإذن الله.”

وبعد شهورٍ من الانتظار الطويل، تحقق الأمل… رجع الحاج سالماً، كما وعد الله الصابرين. سلّمته أمانته، وبكينا معاً دون أن نتحدث كثيراً. كانت الكلمات قليلة، لكنها كانت أصدق من كل الخطب.

انتهت الحكاية…
 حكاية رجالٍ ذهبوا إلى حربٍ لم يعرفوا سببها، ورجعوا منها بأرواحٍ مثقلة، لا يريدون سوى السلام.

دمتم بسلام، وحفظكم الله من كل مكروه.

========

خلفية

ملخص الأحداث التاريخية

مايو 1978: القذافي يرسل نحو 3000 ليبي (بينهم عسكريون ومدنيون) للقتال إلى جانب الجيش الأوغندي بقيادة عيدي أمين.

بداية 1979: الجيش الأوغندي يضعف، فتتدخل منظمة التحرير الفلسطينية الموالية للقذافي بإرسال مقاتلين دعمًا له.

مارس 1979 – معركة لوكايا:

هُزم الجيش الأوغندي والقوات الليبية – الفلسطينية أمام القوات التنزانية والمعارضة الأوغندية.

الخسائر الليبية كانت فادحة: نحو 200 قتيل خلال 10 أيام.

رد القذافي: هدد بالتدخل العسكري المباشر بعد إعلان منظمة التحرير الوطنية الأوغندية، لكن قوات تنزانيا والمعارضة تقدمت سريعًا وسيطرت على مطار عنتيبي ثم على العاصمة كمبالا في أبريل 1979.

النتيجة: سقوط نظام عيدي أمين، وانسحاب ليبيا بعد أن فقدت حوالي 500 من أبنائها خلال شهر ونصف، فضلًا عن خسائر مادية جسيمة.

طالع ايضا

طالع الحلقة الأولى

طالع الحلقة الثانية

طالع الحلقة الثالثة