
حرب أوغندا – الحلقة الثانية
شاهد عيان
بعد منتصف الليل، وبينما كنا نسير ببطء وسط ظلامٍ دامس، وصلنا إلى ضفة أحد الأنهار العريضة. لم نكن نعرف إلى أين يتجه النهر، ولا في أي بقعة من الأرض نحن. وقفنا قليلاً نلتقط أنفاسنا المنهكة، فإذا بأصواتٍ تأتي من الجهة اليمنى، أصوات جنود يتحدثون بلهجات إفريقية، تخللتها كلمات بلهجةٍ مصرية واضحة.
تبادلنا النظرات بدهشة، فقال أحدنا:
– “هؤلاء مصريون! لعلهم جاؤوا لمساعدتنا!”
لكن ضابط الصفّ، الذي كان أكثرنا خبرة، أوقفهم بحزم وقال بصوت خافت:
– “إياكم أن تقتربوا! السادات أرسل قواته لمساندة المعارضة ضد عيدي أمين… ونحن نقاتل في صفه. لو رآنا أحدهم لن يُبقي منا أحداً.”
كانت تلك الأيام تشهد عداءً حاداً بين السادات والقذافي، فازدادت حذرنا، وأيقنّا أن أي خطأ سيكون نهايتنا. السماء كانت مظلمة، ولولا ذلك لانكشف أمرنا. قررنا الرحيل من المكان فوراً.
تطوّع ضابط الصف قائلاً:
– “سأتقدمكم، وسأجعل من بندقيتي مقياساً لعمق المياه. ارفعوا أسلحتكم فوق رؤوسكم ولا تصدروا صوتاً.”
نزلنا إلى النهر بحذر، كانت المياه باردة إلى حدٍ مؤلم، تتفاوت أعماقها من مستوى الحزام حتى الرقبة. تجمدت أطرافنا وارتجفت أجسادنا من شدة البرد، لكن لم يكن أمامنا سوى الاستمرار. فجأة، بدأ أحد الجنود يرتجف بشدة، أسنانه تصطك بقوة حتى كادت تصدر صوتاً يفضحنا.
في لحظة سريعة، خلع أحد رفاقه جواربه، غسله في الماء ووضعه في فم الجندي كي يمنع صوت أسنانه. كان تصرفاً غريباً لكنه أنقذنا. غير أن الجلبة الخفيفة التي أحدثناها تسببت في تموّجاتٍ على سطح الماء، فظن الجنود على الضفة الأخرى أنها حركة تماسيح، وبدأوا بإطلاق النار باتجاهنا. رصاصات اخترقت سطح النهر من حولنا، والماء يتطاير على وجوهنا… لكن الله سلّم.
بعد مسافة طويلة وشاقة، وصلنا إلى الضفة المقابلة، وكانت غابة كثيفة لا يُرى فيها شيء. الظلام حالك، والرطوبة تخنق الأنفاس، فقررنا السير في صفٍ واحد يتقدمه ضابط الصفّ.
واصلنا السير حتى بدأ أول خيط من الفجر يشقّ ظلمة الغابة. مع بزوغ الشمس، رأينا الأرض تحت أقدامنا بوضوح، فتابعنا حتى خرجنا من بين الأشجار، لنجد أنفسنا في قرية ريفية بسيطة. أكواخ من القش، وبعض الأبقار والماعز ترعى في أطرافها.
قال لنا ضابط الصفّ:
– “تعاملوا باحترام مع أهل القرية، لا تُشهروا السلاح أبداً.”
اقتربنا ببطء حتى لمحنا عجوزاً تجلس قرب كوخها، تنظر إلينا باستغراب وقد ارتسم التعب على وجوهنا. بالإشارة طلبنا منها ماءً، فدخلت إلى كوخها وعادت بدلوٍ من الحديد فيه ماء صافٍ. شربنا بنهم، وملأنا زمزمياتنا. أشار أحدنا إلى فمه طالباً طعاماً، فذهبت ثم عادت بعرجون موزٍ ناقص النصف.
اقترب منا بعض الصبية والكهول بفضول، يتهامسون بلغتهم الغريبة. عندها قال أحد رفاقي وهو يلوّح بيده:
– “مطار… مطار…”
نظروا إلينا بصمتٍ للحظات، ثم أشار أحد الشيوخ بيده إلى اتجاهٍ بعيد، نحو الجنوب الشرقي تقريباً. تبادلنا النظرات، وضابط الصف قال:
– “يبدو أنهم فهموا. هذا طريقنا.”
حملنا أسلحتنا بصمتٍ، واستعددنا لمواصلة المسير نحو المجهول…
يتبع في الحلقة الثالثة.
======================
خلفية
ملخص الأحداث التاريخية
مايو 1978: القذافي يرسل نحو 3000 ليبي (بينهم عسكريون ومدنيون) للقتال إلى جانب الجيش الأوغندي بقيادة عيدي أمين.
بداية 1979: الجيش الأوغندي يضعف، فتتدخل منظمة التحرير الفلسطينية الموالية للقذافي بإرسال مقاتلين دعمًا له.
مارس 1979 – معركة لوكايا:
هُزم الجيش الأوغندي والقوات الليبية – الفلسطينية أمام القوات التنزانية والمعارضة الأوغندية.
الخسائر الليبية كانت فادحة: نحو 200 قتيل خلال 10 أيام.
رد القذافي: هدد بالتدخل العسكري المباشر بعد إعلان منظمة التحرير الوطنية الأوغندية، لكن قوات تنزانيا والمعارضة تقدمت سريعًا وسيطرت على مطار عنتيبي ثم على العاصمة كمبالا في أبريل 1979.
النتيجة: سقوط نظام عيدي أمين، وانسحاب ليبيا بعد أن فقدت حوالي 500 من أبنائها خلال شهر ونصف، فضلًا عن خسائر مادية جسيمة.