حوار من أرشيف «المنارة أف أم» يستعيد بدايات الجماعة في بنغازي وتجربة السجن والاعتقالات

في حوار مسجل ضمن أرشيف راديو المنارة أف أم بتاريخ 20 مايو 2012، استعاد الحاج إبراهيم فرج علي حماد، أحد مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا وأول مسؤول عام لها جانبًا واسعًا من ذاكرته عن بدايات الحركة في بنغازي، ونشاطها الدعوي والتربوي، وأسماء عدد من أفرادها، وعلاقتها بالسلطات في العهد الملكي، وصولًا إلى الاعتقالات التي تعرض لها أعضاؤها في عهد معمر القذافي.
الحوار، الذي امتد لنحو ساعة وعشرين دقيقة، جمع بين شهادة الضيف ومداخلات هاتفية من مستمعين وشخصيات مرتبطة بتلك المرحلة، ما أضفى على الحلقة طابعًا توثيقيًا وشفهيًا لمرحلة مبكرة من تاريخ الحركة الإسلامية في ليبيا.
بنغازي.. نقطة البداية عام 1949
يبدأ حماد روايته بتحديد عام 1949 باعتباره العام الذي نشأت فيه جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، بحسب شهادته.
ويقول إن ثلاثة من أعضاء الجماعة في مصر وصلوا إلى بنغازي عام 1948، وإنهم اتصلوا بعدد من الشخصيات المحلية، من بينهم عمر الكيخيا والحاج علي زواوة، قبل أن يبعثوا برسالة إلى الأمير إدريس السنوسي طلبوا فيها الحماية.
وبحسب رواية حماد، استجاب الأمير إدريس لطلبهم، واستضافهم في قصر الغدير، حيث ظلوا هناك خلال عام 1948، قبل أن ينتقلوا لاحقًا إلى شقة في بنغازي ويبدأوا نشاطًا تعليميًا.
من قصر الغدير إلى النشاط التعليمي
يروي حماد أن المجموعة انتقلت عام 1949 إلى شقة في شارع جمال عبد الناصر، وبدأت في تقديم دروس تعليمية لمختلف طبقات المجتمع.
وشملت الدروس، وفق روايته، مواد مثل العربية والإنجليزية والحساب، ولم يقتصر النشاط على فئة اجتماعية بعينها، بل شمل الطلاب والعمال والموظفين والتجار وغيرهم.
ويقول حماد إن علاقته بالجماعة بدأت من خلال بحثه عن مدرس يساعده في بعض المواد، قبل أن يتعرف على أعضاء الجماعة ويلتحق بدروسها.
من الدروس إلى الرحلات والبرامج التربوية
يتحدث حماد عن نشاط اجتماعي وتربوي كان يتم من خلال الرحلات الأسبوعية، وخاصة رحلات الخميس والجمعة إلى مناطق خارج بنغازي.
ويصف برنامجًا يوميًا كان يبدأ بالصلاة، ثم الرياضة والإفطار، ويتبعه درس أو كلمة تربوية يقدمها الأستاذ عز الدين إبراهيم، إضافة إلى أنشطة أخرى تمتد حتى المساء.
وبحسب شهادته، كان الهدف من هذه الأنشطة تكوين الشباب دينيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا.
لماذا نشأت الجماعة؟
عندما سُئل حماد عن الظروف التي ساهمت في ظهور الجماعة، ربط ذلك بما وصفه بحالة اجتماعية ودينية عاشها المجتمع الليبي بعد سنوات الاستعمار الإيطالي والحرب.
ويقدم حماد في حديثه تفسيره الخاص لتلك المرحلة، معتبرًا أن المجتمع الليبي كان مسلمًا بطبيعته، لكنه كان يعاني، بحسب وصفه، من ضعف الاهتمام ببعض الجوانب الدينية والتربوية.
ويقول إن الجماعة سعت إلى معالجة ما اعتبره حالة من «الغفلة» والابتعاد عن بعض القيم الدينية.
تكوين الفرد والأسرة والمجتمع
في حديثه عن أهداف الجماعة، يختصر حماد المشروع الذي تحدث عنه في ثلاث دوائر: الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم.
ويشرح أن النشاط لم يكن مقتصرًا على الوعظ، وإنما شمل التربية والثقافة والأخلاق والحياة الاجتماعية.
كما يصف الجماعة، وفق رؤيته في ذلك الوقت، بأنها جماعة دعوية وتربوية وإصلاحية تهدف إلى تكوين الفرد المسلم وتربيته على الالتزام الديني والأخلاق العامة.
تأسيس أولى الأسر عام 1949
ومن أبرز أجزاء الحوار حديث حماد عن البنية التنظيمية المبكرة للجماعة.
ويقول إنه في عام 1949 تشكلت أول أسرة كان هو أحد أفرادها، إلى جانب عدد من رفاقه، ثم بدأت اجتماعات دورية لتلقي الدروس.
ويذكر أن أول درس تلقته الأسرة كان متعلقًا بالبيعة والعهد والعمل للدين، ثم بدأت الدراسة الإسلامية بصورة منتظمة.
بعد ذلك، بحسب روايته، تشكلت أسر أخرى من الطلاب وغيرهم، واتسع نطاق التنظيم تدريجيًا.
القرآن والحديث والفقه.. نظام الأسر
يشرح حماد أن الأسرة كانت تتكون، بحسب روايته، من نحو خمسة أفراد يلتقون بصورة دورية لدراسة القرآن والحديث والفقه، إضافة إلى الموضوعات المتعلقة بالتربية الإسلامية.
ويذكر أن سورة الحجرات كانت من المواد التي دُرست وحُفظت مع تفسيرها، لما تحمله من موضوعات تتعلق بآداب التعامل داخل المجتمع.
ومن هنا يخلص حماد إلى وصف التنظيم في بداياته بأنه يقوم أساسًا على العمل الدعوي والتربوي.
نشاط بين الطلاب والعمال والتجار
لم يقتصر النشاط، وفق شهادة حماد، على الطلاب والشباب، بل امتد إلى التجار والعمال والموظفين.
ويتحدث عن وجود أقسام أو مجموعات تهتم بهذه الفئات، وعن جهود للتواصل مع التجار خصوصًا فيما يتعلق بما اعتبره مخالفات دينية، ومن بينها التعامل بالربا.
ويذكر أسماء عدد من التجار الذين قال إنهم تركوا التعامل بالربا نتيجة تلك الجهود. وهذه الأسماء ترد في سياق روايته الشخصية في الحوار.
عشرات الأسر وأسماء من الرعيل الأول
خلال الحلقة، طلب المذيع من حماد استعادة أسماء بعض أعضاء الجماعة في بداياتها.
ويذكر الضيف مجموعة من الأسماء، من بينها محمد الصلابي، عبد العزيز زواوة، عبد الكريم الجهاني، إدريس ماضي، حسن اللبار، جلال الدغيلي، فوزي الدغيلي وغيرهم.
كما تحدث عن وجود عدد كبير من الأسر، وقال إن الحركة توسعت إلى عشرات الأسر، وأن الأسرة الواحدة كانت تضم عددًا من الأعضاء.
مداخلة هاتفية تعيد ذكريات رفاق السجن
من أكثر لحظات الحوار تأثيرًا مداخلة هاتفية من أسماء عبد الكريم الجهاني، التي قالت إنها تعرفت على اسم والدها من خلال الأسماء التي كان حماد يستعيدها.
وعندما ذكرت اسم والدها، عبد الكريم الجهاني، استعاد حماد ذكرياته معه، موضحًا أنه كان من رفاقه، وأنهما قضيا فترة في السجن معًا في طرابلس والكويفية.
وخلال الحديث، تأثر حماد بالمداخلة واستعاد أسماء عدد من رفاقه الذين رحلوا.
علاقة الجماعة بالسلطات في العهد الملكي
يتحدث حماد عن علاقة الجماعة بالسلطات في العهد الملكي، موضحًا أن الحركة، بحسب روايته، لم تكن محاربة بالمعنى الذي أصبحت عليه لاحقًا، لكنها كانت موضع تحفظ ومتابعة.
ويذكر أنه استُدعي أكثر من مرة للتحقيق، وأن بعض المسؤولين كانوا يتابعون النشاط الذي كان يقوم به الشباب في بنغازي.
كما يروي قصة منزل في شارع شويخات استخدمه مقرًا للاجتماعات، ويقول إن السلطات كانت تعرف بهذا النشاط.

رواية حماد عن الملك إدريس
خصص الحوار مساحة للحديث عن علاقة الملك إدريس بالجماعة.
ويقول حماد إن الملك كان يعرف جماعة الإخوان من خلال وجودها في مصر، وإنه كان، بحسب روايته، متعاطفًا معها، لكنه لم يكن يعرف تفاصيل نشاط الجماعة في بنغازي.
كما يستشهد بلقاءات تمت مع الملك، وينقل انطباعات إيجابية عن شخصيته، مع تأكيده أن الملك كان، بحسب روايته، بعيدًا عن كثير من التفاصيل التي كانت تحدث في البلاد.
اعتقاله في العهد الملكي
عندما سُئل حماد عن سجنه في العهد الملكي، نفى أن يكون الاعتقال بسبب نشاط الإخوان.
ويربط روايته بحادثة تتعلق بكتاب تناول، بحسب حديثه، قضايا سياسية وتجاوزات وانتخابات وأوضاعًا في ولاية برقة.
ويقول إن الشرطة ألقت القبض عليه وعلى عدد من الأشخاص بعد العثور على منشورات ومطبوعات، قبل أن تتطور القضية إلى تحقيقات واعتقالات.
رواية عن التعذيب والسجن
يقدم حماد وصفًا قاسيًا لتجربته داخل السجن، ويتحدث عن تعرضه للضرب والتعذيب أثناء التحقيق، ثم عن استمرار التعذيب بعد نقله إلى السجن.
ويذكر أن فترة التعذيب استمرت، بحسب روايته، لساعات طويلة يوميًا، وأن بعض رفاقه والسجناء كانوا شهودًا على ما جرى.
وهذه التفاصيل ترد في الحوار باعتبارها شهادة حماد الشخصية عن تجربته في الاعتقال والسجن.
«المسلم لا ينتقم».. حديث عن تجربة السجن
في خضم الحديث عن التعذيب، سأله المذيع عن موقفه من الذين عذبوه، فرد حماد بأن ما تعلمه من الإسلام هو أن المسلم لا ينتقم ولا يتشفى، وأن الأمر يُترك لصاحب الأمر.
ويقدم هذا المقطع جانبًا من رؤيته الشخصية تجاه تجربة السجن وما تعرض له خلالها.
العلاقة التنظيمية مع إخوان مصر
في الجزء الأخير من الحوار، طُرح سؤال حول العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا والجماعة في مصر.
ويجيب حماد بأن الفكرة الأولى جاءت من مصر وأنها ارتبطت بفكر حسن البنا، لكنه ينفي وجود علاقة تنظيمية بين الجماعة في ليبيا والجماعة في مصر.
ويقول إن الرابط، بحسب روايته، كان في المنهج والفكرة الإسلامية، بينما كان التنظيم في ليبيا مستقلًا.

حسن البنا وسيد قطب في رواية حماد
تطرق الحوار كذلك إلى حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة.
ويقدم حماد تقييمه الفكري والشخصي لهم، ويصف حسن البنا بأنه من أبرز الدعاة والمصلحين، ويتحدث عن سيد قطب وكتاباته، بما فيها تفسيره للقرآن الذي كتبه في السجن.
لماذا تعرضت الجماعة للعداء؟
في سؤال مباشر عن سبب العداء للإخوان المسلمين في ليبيا، يجيب حماد بأن الجماعة تعتبر ما تعرضت له جزءًا من طبيعة الطريق الذي اختارته، ويشير إلى ما وصفه بالاضطهاد والاعتقالات.
كما يقول إن الجماعة تقبل النقد والتوجيه إذا كان بهدف الإصلاح، لكنه يميز بين النقد وبين ما وصفه بالحقد أو العداء.
من السرية إلى العلن بعد فبراير
يتحدث حماد عن أن الجماعة ظلت تعمل بصورة سرية لفترة طويلة، ويشير إلى أنها لم تكن تستخدم اسم «الإخوان» بصورة علنية، بل كانت تتحدث عن الإسلام والعمل الإسلامي.
ويقول إن الجماعة بقيت، بحسب تعبيره، «تحت الأرض» لنحو ستين عامًا، قبل أن تظهر إلى العلن بعد ثورة فبراير 2011.
كما يعترف بوجود تقصير في تعريف المجتمع بتاريخ الجماعة وأفكارها، ويربط ذلك بطبيعة المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام القذافي.
اعتقالات 1973.. «بدأت الاعتقالات مباشرة»
في الجزء الأخير من الحوار يعود حماد إلى اعتقاله عام 1973، ويربطه بحملة الاعتقالات التي أعقبت خطابًا للقذافي.
ويقول إن الاعتقالات بدأت مباشرة بعد الخطاب، وإن عددًا كبيرًا من الأشخاص من مختلف أنحاء ليبيا وفئاتها الاجتماعية وجدوا أنفسهم في السجون.
ويذكر من بين من التقاهم في السجن عددًا من أعضاء الجماعة، بينهم إدريس ماضي، صالح الغول، عبد الكريم الجهاني، ومحمد الصلابي وغيرهم.
السجون ورفاق الطريق
يتحدث حماد عن انتقال المعتقلين بين طرابلس والكويفية، ويصف السجون بأنها ضمت أعدادًا كبيرة من المعتقلين من اتجاهات وفئات مختلفة.
ويستعيد أسماء رفاقه الذين التقاهم في تلك الفترة، مؤكدًا أن الاعتقالات لم تقتصر، بحسب وصفه، على أعضاء جماعة الإخوان وحدهم.
دعوات لتوثيق تاريخ بنغازي
شهدت الحلقة عدة مداخلات من مستمعين طالبوا بالاهتمام بتوثيق تاريخ بنغازي وشخصياتها.
وفي إحدى المداخلات، دعا المتصل إلى توثيق تاريخ المدينة من خلال شهادات الشخصيات التي عاصرت مراحلها المختلفة.
كما طالب أحد المتصلين بأن تشرح الجماعة تاريخها وأفكارها بصورة أكبر للرأي العام، وهو ما أقر حماد بوجود تقصير فيه، موضحًا أن الجماعة كانت في مرحلة إعادة التنظيم والظهور العلني بعد عقود من العمل السري.
«احترام التاريخ»
في ختام الحلقة، يؤكد مقدم البرنامج أن من شاركوا في مراحل مختلفة من تاريخ ليبيا يجب أن تُحفظ شهاداتهم، وأن التاريخ ينبغي أن يُسجل كما وقع.
ويصف الحاج إبراهيم حماد بأنه من الشخصيات التي ارتبطت بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا عام 1949، قبل أن تنتهي الحلقة بالدعوة إلى لقاءات أخرى مع شخصيات من الجماعة للحديث عن تجربتها ومراحلها المختلفة.
خاتمة
يمثل حوار الحاج إبراهيم حماد مادة من التاريخ الشفهي للحركة الإسلامية في ليبيا، فهو لا يقدم فقط رواية عن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في بنغازي عام 1949، بل يستعيد أسماء وشخصيات وأماكن وتجارب اعتقال وسجن امتدت من العهد الملكي إلى عهد معمر القذافي.
وبعيدًا عن تقييم الرواية أو الاتفاق معها، تبقى أهمية التسجيل في كونه شهادة مباشرة قدمها أحد المشاركين في تلك المرحلة عن تجربته وقراءته للأحداث، وهو ما يجعل حفظه وإتاحته جزءًا من أرشيف الذاكرة السياسية والاجتماعية لليبيا.
المصدر: حوار «ذكريات الثورة» مع الحاج إبراهيم فرج علي حماد، من أرشيف راديو المنارة أف أم، بتاريخ 20 مايو 2012.
شاهد واستمع للحوار كاملا

