واشنطن لم تُفاجأ بسقوط الملكية.. بل فاجأها توقيت الانقلاب وهوية قادته

تكشف مذكرة أمريكية رُفعت عنها السرية، أُعدت في أعقاب انقلاب الأول من سبتمبر 1969، أن الولايات المتحدة كانت تدرك قبل سقوط الملكية الليبية أن نظام الملك إدريس يواجه أزمات سياسية واجتماعية متراكمة، لكنها لم تكن تعرف موعد الانقلاب أو الشخصيات التي ستقوده.
وتظهر الوثيقة أن مسؤولين أمريكيين في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون كانوا يتابعون تطورات ليبيا، وأن مذكرة أُعدت لمستشار الأمن القومي هنري كيسنجر تضمنت خلاصة تقييم وزارة الخارجية الأمريكية لأسباب الانقلاب وتداعياته.
سقوط الملكية لم يكن مفاجئاً لواشنطن
بحسب التقييم الأمريكي، فإن الانقلاب الذي نفذته مجموعة من الضباط الشباب في الأول من سبتمبر 1969 لم يكن مفاجئاً من حيث المبدأ، وإنما كانت المفاجأة في توقيته وهوية قادته والسرية التي أحاطت بالعملية.
وترى الوثيقة أن مؤشرات الخطر على النظام الملكي كانت واضحة قبل الانقلاب، وفي مقدمتها تصاعد الرأي العام العربي، والآثار السياسية لحرب 1967، والفساد المرتبط بعائدات النفط، إضافة إلى ضعف القيادة الملكية.
حرب 1967 أشعلت الغضب الشعبي
تعتبر الوثيقة حرب يونيو 1967 نقطة تحول أساسية في المشهد الليبي.
فقد شهدت البلاد اضطرابات واسعة وتصاعداً شديداً في الغضب الشعبي ضد النظام والولايات المتحدة، كما تعرضت بعض الوحدات العسكرية لاضطرابات وانشقاقات.
وبعد الحرب، أصبح الرأي العام الليبي أكثر ارتباطاً بالقضايا العربية، وازدادت الضغوط على النظام الملكي الذي وصف التقرير سياسته الخارجية بأنها دفاعية وسلبية تجاه القضايا العربية.
وتذهب الوثيقة إلى أن حرب 1967 سرّعت القوى التي قادت في النهاية إلى إسقاط الملكية، بعدما أطلقت موجة من الغضب والتطرف السياسي في المنطقة.
النفط.. ثروة هائلة وفساد متصاعد
شهدت ليبيا في الستينيات تحولاً اقتصادياً هائلاً نتيجة ارتفاع إنتاج النفط وعائداته.
وتشير الوثيقة إلى أن الإيرادات الحكومية النفطية ارتفعت من مستويات محدودة في بداية العقد إلى درجة جعلت ليبيا تسجل عام 1968 أول ميزانية بمليار دولار.
لكن تدفق هذه الأموال صاحبه، بحسب التقييم الأمريكي، فساد وتربح من النفوذ، الأمر الذي أدى إلى زيادة التوتر الاجتماعي والسياسي.
واللافت أن الوثيقة تسجل أن دبلوماسيين أمريكيين كانوا قد حذروا القيادة الليبية مراراً من خطورة الفساد، معتبرين أن استفحال التربح من النفوذ يمكن أن يؤدي إلى عواقب سياسية خطيرة.
الملك إدريس وفقدان السيطرة
يرصد التقرير تراجع قدرة الملك إدريس على إدارة شؤون البلاد منذ منتصف الستينيات، مع ضعف المؤسسات السياسية واعتماد النظام بدرجة كبيرة على سلطة الملك الشخصية.
كما يشير إلى كثرة التغييرات الحكومية، وإلى إقالة رئيس الوزراء الإصلاحي عبدالحميد البكوش، التي اعتبرتها السفارة الأمريكية مؤشراً مقلقاً على طبيعة الحكم في ليبيا.
وبحسب الوثيقة، أدى غياب المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب المعارضة والمطالب الشعبية إلى زيادة هشاشة النظام، خصوصاً مع تقدم الملك في السن وتراجع قدرته على القيادة.
الجيش يتحول إلى قوة سياسية
في الوقت نفسه، كان الجيش الليبي يشهد تغيراً مهماً.
فقد بدأ جيل جديد من الضباط الشباب الأكثر نشاطاً وكفاءة في الصعود داخل المؤسسة العسكرية، بينما تراجعت مكانة القيادات القديمة.
وتشير الوثيقة إلى تنامي السخط بين الضباط الشباب بسبب ما وصفته بغياب القيادة والرسالة، كما تحدثت تقارير أمريكية عن مجموعة من الضباط كانت ترى أن الوقت يقترب لكي يتولى الجيش زمام الأمور في البلاد.
وبحلول صيف 1969، أصبحت السفارة الأمريكية ترى أن الجيش هو المصدر الأكثر احتمالاً لأي عمل ثوري، لكنها لم تكن تعرف متى سيحدث ذلك أو من سيقوده.
كيف نجح الضباط في خداع أجهزة المراقبة؟
تقدم الوثيقة تفسيراً مهماً للسرية التي أحاطت بالانقلاب.
فليبيا، بحسب التقييم الأمريكي، كانت من المجتمعات صعبة الاختراق بالنسبة للأجانب، كما أن الاتصالات الأمريكية مع الجيش الليبي كانت محدودة.
والأهم أن الانقلاب كان من تنظيم ضباط صغار كانت اتصالاتهم بالأجانب محدودة، كما كانت تحركاتهم منفصلة عن كبار الضباط الذين توقعت واشنطن أن يكونوا مصدر الخطر على النظام.
ولهذا، لم تكن المفاجأة مقتصرة على الولايات المتحدة؛ إذ تشير الوثيقة إلى أن الانقلاب فاجأ أيضاً البريطانيين، الذين كانوا من أبرز الجهات المسؤولة عن تدريب الجيش الليبي منذ الحرب العالمية الثانية، كما كان – بحسب التقييم الأمريكي – مفاجئاً لمصر والاتحاد السوفيتي وبقية الدول العربية.
هل كانت الولايات المتحدة وراء انقلاب سبتمبر؟
الوثيقة لا تثبت ذلك.
بل إن مضمونها يشير إلى أن واشنطن فوجئت بتوقيت الانقلاب وهوية قادته، وكانت تحاول بعد وقوعه فهم طبيعة النظام الجديد.
لكن الوثيقة تكشف في المقابل أن الولايات المتحدة كانت تدرك منذ سنوات وجود نقاط ضعف عميقة في النظام الملكي، وكانت ترى أن الجيش الليبي يتحول تدريجياً إلى قوة قادرة على لعب دور سياسي حاسم.
وبالتالي، فإن الوثائق توثق معرفة واشنطن بأزمة النظام الملكي ومؤشرات هشاشته، لكنها لا تقدم في النص المعروض دليلاً على تخطيط أمريكي للانقلاب أو تنفيذه.
مفارقة أخرى: الضباط الجدد لم يكونوا بالضرورة معادين لأمريكا
تكشف الوثيقة جانباً آخر مثيراً للاهتمام؛ إذ تشير إلى أن عدداً كبيراً من ضباط الجيش الليبي تلقوا تدريبات في الولايات المتحدة، وأنهم أبدوا إعجاباً بما شاهدوه خلالها.
ولهذا رأى التقييم الأمريكي أن مشاعر الصداقة تجاه الولايات المتحدة التي عبر عنها بعض عناصر القيادة الجديدة ربما كانت حقيقية وليست مجرد مناورة سياسية.
الخلاصة: ملكية مأزومة وانقلاب مباغت
تكشف الوثيقة الأمريكية صورة لملكية كانت تواجه أزمة متراكمة: غضباً شعبياً متصاعداً بعد حرب 1967، فساداً ارتبط بالثروة النفطية، ضعفاً في القيادة والمؤسسات السياسية، وسخطاً متزايداً داخل الجيش.
لكن ما لم تستطع واشنطن معرفته مسبقاً كان موعد الانقلاب وهوية الضباط الذين سيقودونه.
وهكذا، فإن أهمية الوثيقة لا تكمن في إثبات وجود مؤامرة أمريكية وراء انقلاب سبتمبر 1969، وإنما في أنها تقدم من داخل دوائر صنع القرار الأمريكي قراءة مبكرة للعوامل التي جعلت سقوط الملكية الليبية ممكناً، وتكشف أن هشاشة النظام كانت مرصودة قبل الانقلاب، بينما ظلت لحظة الانفجار وهوية منفذيه خارج نطاق معرفة واشنطن.
المصدر: وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية، تتضمن مذكرات لمجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الأمريكية وتقييماً للانقلاب الليبي.
