
بالأرقام ومن بيانات مصرف ليبيا المركزي وتقارير ديوان المحاسبة: هل زيادة رواتب الليبيين هي فعلًا سبب ارتفاع سعر الدولار؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى يجري التغطية عليها؟
يُطرح ارتفاع سعر الدولار في ليبيا أحيانًا باعتباره نتيجة مباشرة لزيادة الإنفاق على المرتبات، وكأن المواطن الليبي وموظف الدولة هو المسؤول عن أزمة سعر الصرف.
لكن عند العودة إلى الأرقام، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
فبحسب الأرقام المتداولة في المقارنة بين بيانات عام 2013 وبيانات عام 2025، بلغت قيمة رواتب موظفي الدولة في عام 2013 نحو 19.4 مليار دولار، بينما بلغت في عام 2025، وبعد مرور 12 عامًا وزيادة أعداد العاملين في الدولة، نحو 11.5 مليار دولار.
أي أن القيمة الدولارية للمرتبات ـ وفق هذه المقارنة ـ انخفضت بنحو 7.9 مليار دولار مقارنة بعام 2013، رغم زيادة عدد الموظفين وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار.
وفي المقابل، تُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن الإنفاق على الباب الأول، أي المرتبات، بلغ 55.2 مليار دينار حتى نهاية أكتوبر 2025، وارتفع إلى 61.2 مليار دينار حتى نهاية نوفمبر، مع وجود بنود أخرى في أبواب الإنفاق تتضمن مرتبات لبعض الجهات والشركات العامة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
إذا كانت القيمة الدولارية للمرتبات أقل من عام 2013، فهل من المنطقي تحميل رواتب الليبيين وحدها مسؤولية ارتفاع الدولار؟
أم أن أزمة سعر الصرف ترتبط بعوامل أوسع، من بينها حجم الإنفاق العام، العجز، الدين العام، إدارة النقد الأجنبي، الإيرادات النفطية، الإنفاق الموازي، والسياسات النقدية والمالية؟
وتزداد أهمية السؤال في ظل ما أورده ديوان المحاسبة بشأن ارتفاع حجم الباب الأول إلى 67.6 مليار دينار في 2024، مقارنة بـ59.9 مليارًا في 2023 و47.1 مليارًا في 2022.
المشكلة إذن ليست في المواطن الذي يتقاضى راتبه، بل في السؤال الأهم: أين تذهب إيرادات الدولة؟ وكيف تُدار العملة الأجنبية والإنفاق العام؟
فهل تحميل الموظف الليبي مسؤولية ارتفاع الدولار هو تفسير اقتصادي حقيقي… أم محاولة لتحميل المواطن فاتورة أزمة أوسع من راتبه؟
