
تدفق السيول عندنا ليس بالحدث المفاجئ .. كما انها ليست ظاهرة فريدة .. ولا تُعد من العجائب ..
اقصد ان يفتح المرء عينيه باتساع القدرة على الاندهاش .. فيما تتدفق المياه الهائجة ..
عبر كل الوديان اثر انهمار المطر متسائلاً برهبة :
ما هذا ؟
يا سيدي أقول لك ان مدرسة ” الحميضة ” في بنغازي ومنذ ستينات القرن الماضي كانت لديها ثلاث عطلات .. اثنتان رسميتان .. الصيف .. ونصف السنة .. والأخرى شبه رسمية :
وهي من عشرة أيام الى أسبوعين ..
هدية يمنحها وادي القطارة لتلاميذ المدرسة .. حين يكتسح السيل مناطق واسعة من بنغازي في فصل الشتاء .. وينتهي مخلفاً بحيرة طينية اللون .. تمتد من شط “بوشليف” الى شط ” قاريونس “.
ورغم ان الاغنية الشعبية التي لم تنقطع عن تلفزيون الابيض والأسود واستمرت لفترة في تلفزيون الألوان بعض الوقت .. تتحدث عن البحر :
” كان جاك الموج وتياره غير كلم نادي البحاره ” ..
الا اننا كنا نذكرها في مجال الحديث عن السيول وتياراتها .
تلك كانت اغنية التلفزيون الحكومي .. يردفها أطفال الشارع في موسم الامطار والسيول بأهزوجة شعبية : كان جاكم وادي القطاره .. شال عزوز وشال حماره ” .. رفع الله قدركم ..
المهم .. وددت ان أقول :
ان السيول لا تغيب .. انما المسؤولين يغيبون ..
لقد غرز (القايد) شعاراته في احشاء الدولة الوليدة .. وشرع في انشاء ( نظام جماهيري ) ..
” بدونة المدن ” ..
” الخيمة تحطم القصر”..
” السيارة لمن يقودها ” .. ” البيت لساكنه ” .. مقصلة قانون 15 .. الفقر للجميع ..
” حوحاية ” قانون رقم أربعة .. حرق السجل العقاري ..
مشنقة لكل بيت .. وفردة حذاء لكل تلفاز ..
اكرم الله وجوهكم ..
الى اخر يوم تعاسة من ( أيام القايد) ..
( نظام) ” ينذكر ما ينعاد ” على رأي اهل الشام ..
قال عنه الخبير الإداري الاستشاري الشهير مايكل بورتر – الذي تمت الاستعانة به حين بدأت بوادر زلزلة اركان الخيمة – :
” انه نظام مُصمم بحيث لا شي يعمل ” ..
وحين طارت (الخيمة ) باحلاسها واقتابها ولصوصها وجواسيسها وجلاديها .. لم تنجح حكومات (فبراير) المُتعاقبة في الخروج من قبضة النظام الذي لا يعمل .. ولا القضاء على منظومة الفساد التي ولدت من رحمه ..
انقل لكم فقرة مختصرة جداً عن دراسة ( اصلاح الإدارة العامة في ليبيا ):
” في عام 2018, صنفت منظمة الشفافية الدولية ليبيا في المرتبة 170 من اصل 180 دولة , اذ حصلت ليبيا على 17 درجة من اصل 100
. (Akhagbeni,( 2019 ,
وقد عانى الاقتصاد الليبي من الفساد الذي طال جميع القطاعات . ويعتبر القطاع العام والنظام القضائي الأكثر تضرراً .
وعلى الرغم من تفشي الفساد في ظل حكم القذافي , الا ان الوضع ازداد سوءاً بعد الثورة التي أعقبت عام 2011 ” . (الفيتوري . اطيش , 2021, ص175 )
كما لم تتوقف تقارير الرقابة الإدارية وتقارير ديوان المحاسبة عن كشف كوارث الفساد و(ثقوبه السوداء ) المتكورة في خزائن الدولة – اشكر هاتين المؤسستين على جهودهما الكبيرة –
اقتلع فيضان الوادي في الشرق نصف مدينة درنة ودفن ما يقارب 30 الفاً في مياه البحر ..
يرحمهم الله ..
وشرد نصف سكانها ..الذين ناموا على تطمينة من ممثل ( القيادة العامة ) جماعة ” لاسو لا سويه” :
“خليكم في حواشينكم ”
ثم اتى الفيضان على ما تبقى من لوحات إعلانات ( التنمية وقهر التخلف ) ..
علت أصوات وسُمعت صرخات من قبيل :
سنحاسب المسؤولين عن الكارثة .. سنرفع الشكوى الى اعلى هيئة قضائية دولية
ثم همدت وتبخرت ..
اما في الغرب الليبي فتعجز ثلاثة اجسام سيادية – (الرئاسي , الحكومة , الأعلى) – عن تنفيذ مشاريع بنية تحتية .. تضمن عدم غرق الطريق السريع تحت أمواج السيول .. اكثر من خمس حكومات فشلت في انشاء طريق سريع .. يا جماعة طريق سريع فقط ..
اختم بالمرحوم الفنان ناجي ميلاد :
” مركب يدًاعى ايميل ..
عابر سبيل ..
طريقه طويله .”
اسعد العقيلي … 9.12.2024