شهادتان من ذاكرة طلبة ليبيا الذين انتُزعوا من مقاعد الدراسة إلى جبهات القتال عام 1986

في ديسمبر 1986، كان طلبة في السادسة عشرة من أعمارهم يستعدون لاستكمال دراستهم في مدارس ومعاهد مدينة سبها، جنوب ليبيا. لم يكن هؤلاء يتوقعون أن يتحول يومهم الدراسي إلى رحلة غامضة تنتهي بهم في قاعدة أوزو الجوية داخل تشاد، بعيدًا عن أسرهم ودفاترهم، وفي قلب حرب لم يكونوا مؤهلين لخوضها.

بينما قيل لهم إن وجهتهم هي العاصمة طرابلس للمشاركة في احتفال عسكري، كانت الحافلات والطائرات تنقلهم إلى واقع مختلف تمامًا. وبعد عقود، يستعيد كل من الكاتب علي إدريس خبوش وعبدالله أبوعذبة تفاصيل تلك التجربة، من لحظة جمع الطلبة في المؤسسات التعليمية إلى الوصول إلى أوزو، ثم ما عاشه خبوش من ظروف قاسية ومهام عسكرية في عمق الأراضي التشادية.

إنها شهادتان شخصيتان تتقاطعان في محطات أساسية، وتلقيان الضوء على تجربة إنسانية تستحق التوثيق والبحث في تاريخ الحرب الليبية التشادية.

من مقاعد الدراسة إلى معسكر التدريب

بدأت الحكاية في ديسمبر 1986، عندما كان علي إدريس خبوش طالبًا في السنة الثالثة بالمعهد الصناعي في سبها، يستعد لنيل شهادة العلوم الكهربائية، بالتوازي مع عمله في محل تجاري يملكه والده.

أما عبدالله أبوعذبة، فكان ضمن طلاب الشهادة الثانوية، وقد بدأ يوم 21 ديسمبر بمرافقة والده في المستشفى، حيث كان يتعافى من عملية جراحية لاستئصال المرارة، قبل أن يتوجه إلى المدرسة حاملًا دفاتره، كما يفعل في الأيام الدراسية المعتادة.

لم يكن أي منهما يعلم أن ذلك اليوم سيشكل بداية تجربة ستظل عالقة في ذاكرته لعقود.

بحسب رواية أبوعذبة، دخلت إلى المدرسة مجموعة من السيارات والحافلات التابعة لشركة الجنوب للنقل السريع، وجُمِع الطلاب في فناء المدرسة بحضور مسؤولين محليين ومدير المدرسة، الذي قال أبوعذبة إنه لم يكن على علم بما يجري.

أُبلغ الطلاب بأنهم سيسافرون إلى طرابلس لحضور احتفال كبير. وبين الحيرة والفرح، اعتقد بعضهم أنهم سيحصلون على فرصة لزيارة العاصمة والابتعاد عن الدراسة أيامًا قليلة.

وعندما سأل أحد الطلاب إن كان بإمكانهم إبلاغ أسرهم والاستعداد للسفر، جاءه الرد، وفق الشهادة، بأن الوقت لا يسمح بذلك، وأن المسؤولين سيتولون إبلاغ الأهالي.

وفي المعهد الصناعي، يروي خبوش أن الشرطة العسكرية حاصرت الفصول الدراسية، وأمرت الطلبة بالخروج وترك كتبهم، قبل نقلهم إلى مركز تدريب سبها.

كانت البداية مختلفة في تفاصيلها، لكنها انتهت إلى المكان نفسه: معسكر التدريب، حيث تجمعت أعداد كبيرة من طلبة المدارس والمعاهد القادمين من سبها وأوباري والشاطئ ومرزق وغات ومناطق أخرى من الجنوب.

«الكت العسكري».. أول مؤشر إلى الوجهة الحقيقية

داخل معسكر التدريب، أُدخل الطلاب إلى مبنى يُعرف باسم «الميز»، وهو صالة الطعام التابعة للمعسكر.

ويقول أبوعذبة إن المسؤولين غادروا المكان بعد إغلاق الأبواب، تاركين الطلاب في حالة من الذهول والترقب. واستمر الانتظار حتى ما بعد الساعة الواحدة ليلًا، وسط الجوع والبرد وغياب المعلومات الواضحة عن وجهتهم.

أما خبوش، فيروي أن الطلبة تسلموا تجهيزات عسكرية داخل حقائب عُرفت باسم «الكت العسكري»، تضمنت ما يحتاج إليه الجندي من ملابس ومعدات.

أثار هذا المشهد تساؤلاته، لكنه تلقى تفسيرًا من أحد الضباط بأنهم قد يحتاجون إلى تلك الملابس للمشاركة في عرض عسكري بطرابلس، مستفيدين من تدريبات المسير العسكري التي تلقوها في مدارسهم.

وبالنسبة إلى الطلاب، لم يكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنهم سيُرسلون إلى جبهة قتال. فقد كانوا لا يزالون في سن الدراسة، ولم يتلقوا، بحسب ما يورده خبوش، تدريبًا عسكريًا يؤهلهم لمواجهة حرب حقيقية.

لكن الساعات التالية كشفت أن الرحلة لن تكون إلى العاصمة كما قيل لهم.

رحلة ليلية إلى المجهول

بعد منتصف الليل، تحركت الحافلات من معسكر التدريب باتجاه مطار سبها.

يستعيد أبوعذبة مشهد الطلاب وهم يحملون دفاترهم في يد والحقائب العسكرية في اليد الأخرى، قبل دخولهم صالة المطار وسط حراسة مشددة، في غياب المسافرين والموظفين المدنيين.

ثم استقلوا طائرات من طراز بوينغ 727 تابعة للخطوط الجوية الليبية، من دون أن يُبلَّغوا بوجهتهم النهائية.

ويقول أبوعذبة إن بعض الطلاب ظلوا يغنون فرحًا بالرحلة، بينما سيطر الخوف والصدمة على آخرين، خصوصًا مع مرور الوقت وإدراكهم أن الطائرة لم تتجه إلى طرابلس.

أما خبوش، فيروي أنه استقل طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية، وأن أفكاره ظلت مضطربة خلال الرحلة، متسائلًا عن سبب نقلهم إلى ذلك المكان، قبل أن يستبعد احتمال إرسالهم إلى حرب تشاد، لأنه لم يتصور أن يُدفع بطلبة صغار إلى القتال.

ويضيف أن أحد أصدقائه العسكريين التقاه قبل مغادرته مطار سبها، وأخبره سرًا بأن وجهتهم هي قاعدة أوزو الجوية، ثم سأله إن كان يريد أن يوصي أهله بشيء.

أعطاه خبوش مفاتيح المحل التجاري ليوصلها إلى والده، في مشهد يكشف حجم الغموض الذي أحاط بالرحلة، حتى إن أحد الطلاب لم يكن يعرف متى سيعود أو ما الذي ينتظره في وجهته.

«في الصبح تعرفوا وين أنتم».. الوصول إلى أوزو

بعد نحو ساعة وربع من الطيران، بحسب رواية أبوعذبة، هبطت الطائرة في قاعدة عسكرية لم يكن الطلاب يعرفون اسمها.

استقبلهم جنود ونقلوهم في شاحنات عسكرية إلى مبنى كبير داخل القاعدة، حيث وُزعت عليهم البطانيات لقضاء الليل في البرد القارس.

وعندما سأل أبوعذبة سائق إحدى الشاحنات عن المكان الذي وصلوا إليه، جاءه الرد: «في الصبح تعرفوا أنتم وين.. الصباح رباح يا ولدي».

مع حلول الصباح، أُيقظ الطلاب بصوت مرتفع، وطُلب منهم الاصطفاف بعد تناول إفطار بسيط، قبل أن يتقدم أحد كبار الضباط ويعلن لهم: «هذه أوزو يا سادة».

عندها، اتضحت الوجهة الحقيقية: قاعدة أوزو الجوية في تشاد، لا العاصمة طرابلس التي قيل لهم إنهم سيسافرون إليها.

وفي شهادة خبوش، تتضح أيضًا مخاوف تلك الليلة؛ فقد شعر بالبرد القارس عند وصوله، قبل أن يُنقل مع آخرين إلى هنجر مليء بالتراب والغبار، حيث قضوا ليلتهم على البطانيات العسكرية.

كان الطلاب قد انتقلوا، خلال ساعات قليلة، من الفصول الدراسية إلى قاعدة عسكرية في منطقة حرب، من دون أن يعرفوا مسبقًا حقيقة ما ينتظرهم.

من أوزو إلى مواقع القتال

بينما تنتهي رواية أبوعذبة المنشورة عند إعلان اسم القاعدة، تتواصل شهادة خبوش بتفاصيل ما عاشه بعد ذلك.

يقول إنه نُقل مع نحو 27 طالبًا من مدن وقرى الجنوب إلى موقع في وادي تنوي، حيث أقيمت لهم غرف بدائية من الصفيح تحت شجرة أثل كبيرة.

هناك، استمعوا إلى كلمات عن الوطنية والجهاد، قبل أن يتضح لهم أنهم لن يعودوا إلى منازلهم في الوقت القريب.

كانت ظروف الإقامة صعبة؛ فالبرد شديد، والبطانيات لا توفر الدفء الكافي، كما كان الطلبة يتناوبون على الحراسة في موقع قريب من خطوط حماية القاعدة، وفق روايته.

وفي اليوم التالي، تسلموا بنادق كلاشنيكوف وخضعوا لتدريب أولي على الرماية، ثم وُزّعوا على تخصصات عسكرية مختلفة. وكان نصيب خبوش العمل على قاذف «آر بي جي».

لم تقتصر مهماتهم على التدريب، بل شاركوا في دوريات ليلية برفقة جنود نظاميين، وسط مخاوف من الكمائن والاشتباكات.

وفي إحدى الليالي، خرج خبوش مع زملائه لمساعدة دورية أبلغت عن تعطل سيارتها في الرمال. وخلال اقترابهم من الموقع، طلب منهم السائق الترجل والتقدم سيرًا على الأقدام خشية الوقوع في كمين.

ويقول إن أحد الجنود في الموقع الآخر ظن أنهم مقاتلون تشاديون، ووجّه سلاحه نحوهم، قبل أن يتدخل السائق ويوضح أنهم زملاء قدموا للمساعدة.

كانت تلك الحادثة واحدة من المواقف التي يستعيدها خبوش بوصفها دليلًا على المخاطر التي واجهها الطلبة في بيئة لم يكونوا مؤهلين للتعامل مع تعقيداتها العسكرية.

مهام تتجاوز التدريب ومخاطر الألغام

بعد نحو ثلاثة أشهر، أُعيد توزيع الطلبة على مواقع مختلفة داخل تشاد، وفق رواية خبوش.

ويستعيد تكليفه، برفقة صديقه عبدالله بوعذبة، بمرافقة فريق من ضباط سلاح الهندسة لتنفيذ مهمة تتعلق بزرع الألغام عند أحد مداخل الأودية، على مسافة تقارب 70 كيلومترًا من موقعهم.

اعترض الطالبان على المهمة، موضحين أن تدريبهما كان على أسلحة لا تتناسب مع متطلبات حماية الفريق. لكن المسؤول أصر على تكليفهما باستخدام سلاح مضاد للطائرات من عيار 23 ملم، وأُعطيا تدريبًا سريعًا لم تتجاوز مدته، بحسب روايته، 45 دقيقة.

ويقول خبوش إنهما شعرا بأنهما غير قادرين على توفير الحماية اللازمة للضباط في حال وقوع هجوم، وإن هذه التجربة عززت قناعته بأن حياة الطلبة لم تكن موضع تقدير كافٍ لدى المسؤولين عن إرسالهم إلى جبهات القتال.

وفي حادثة أخرى، خرج مع بعض زملائه لجمع ثمار أشجار الدوم، قبل أن يلاحظوا أسلاكًا معدنية دقيقة قرب المعسكر. وبعد التدقيق، أدركوا أنهم أمام حقل ألغام، فعادوا من الطريق نفسه خشية أن يتسببوا في انفجار أحدها.

كانت تلك المخاطر جزءًا من الحياة اليومية التي يصفها خبوش؛ حيث لم يكن الخطر مقتصرًا على الاشتباكات، بل امتد إلى الألغام والظروف المعيشية القاسية والمهام التي يقول إن تدريبهم لم يكن كافيًا لتأديتها.

وادي الدوم.. أخبار الهزيمة تفتح باب العودة

تتواصل شهادة خبوش مع تدهور الأوضاع العسكرية، وتزايد الهجمات التشادية على القوات الليبية، وصولًا إلى الأخبار التي تلقاها الطلبة عن سقوط قاعدة وادي الدوم والخسائر التي تعرضت لها القوات الليبية هناك.

وبحسب روايته، أثارت تلك التطورات مخاوف من تعرض الطلبة في بردي للأسر، الأمر الذي دفع إلى ترحيلهم، خشية أن يؤدي وقوعهم في الأسر إلى الكشف عن وجود طلبة ليبيين في مواقع القتال.

استعد خبوش وزملاؤه للمغادرة على متن طائرة من طراز فوكر، نقلتهم إلى قاعدة أوزو الجوية، ومنها إلى مدينة سبها.

كانت العودة نهاية مرحلة من الخوف والجوع والبرد والابتعاد عن الأسرة، لكنها لم تكن عودة كاملة إلى الحياة التي تركوها وراءهم.

العودة إلى مقاعد الدراسة.. لكن كل شيء تغيّر

يقول خبوش إن الطلبة عادوا إلى ديارهم مختلفين عما كانوا عليه عند مغادرتها، بعدما أمضوا أشهرًا في ظروف الحرب وتعرضوا لتجارب لم تكن جزءًا من حياتهم الدراسية.

ورغم نجاحه وزملائه في امتحانات الشهادة، فإنه يرى أن النجاح فقد كثيرًا من معناه بعد التجربة، إذ تشتتت أفكارهم وتفرق أصدقاؤهم في مناطق مختلفة من جبهات القتال.

أما أبوعذبة، فتتوقف شهادته المنشورة عند لحظة الإعلان عن وصولهم إلى أوزو، مع وعد بمواصلة رواية ما جرى لاحقًا.

ومع ذلك، فإن التقاطع بين الشهادتين في تفاصيل جمع الطلبة من المؤسسات التعليمية، ونقلهم إلى معسكر سبها، وتوزيع التجهيزات العسكرية عليهم، ثم ترحيلهم ليلًا إلى أوزو، يقدم مادة مهمة لفتح هذا الملف من زاوية إنسانية وتاريخية.

شهادتان من ذاكرة الحرب.. وملف يحتاج إلى التوثيق

تكشف روايتا علي إدريس خبوش وعبدالله أبوعذبة عن تجربة تستحق مزيدًا من البحث، تتعلق بظروف نقل طلبة من مدارس ومعاهد سبها إلى قاعدة أوزو الجوية في ديسمبر 1986، وما تعرض له بعضهم لاحقًا من ظروف عسكرية قاسية، وفق الشهادات المتاحة.

وتطرح هذه الروايات أسئلة بشأن أعمار الطلبة الذين نُقلوا إلى تشاد، والجهات التي اتخذت قرار إرسالهم، ومستوى تدريبهم، وطبيعة المهام التي كُلّفوا بها، ومدى معرفة أسرهم بمصيرهم في تلك الفترة.

إن توثيق هذه التجربة لا يقتصر على استعادة ذكريات أفراد، بل يفتح المجال أمام جمع شهادات أخرى من الطلبة الذين عاشوا الأحداث نفسها، ومقارنتها بالوثائق والسجلات العسكرية والتاريخية المتاحة.

فخلف كل حقيبة عسكرية حملها طالب من سبها عام 1986، كانت هناك حياة دراسية وأسرة تنتظر عودته، ومستقبل لم يكن يعلم أن الحرب ستغيّر مساره.