
التياراتُ، والمذاهبُ، والأحزابُ، والجماعاتُ… “وسائلُ” !
وسائلُ أباحها الإسلامُ الحنيفُ، وإن ضاقت بها صدور بعض المتنطعين
وقد أباحها الإسلام كي يستعينَ بها الناسُ على صناعةِ البِرِّ، وفعلِ الخيرِ، ونفعِ الناسِ، واستكمالِ العِمرانِ.
وللوسائلِ أحكامُ المقاصدِ؛ فقد تنتقلُ أحكامُها من الإباحةِ إلى الوجوبِ، إذا كانت وسيلةً لا يُغني غيرُها عنها في أداءِ واجبٍ شرعيٍّ، وانضبطتْ بقيمِ الإسلامِ وأحكامِه؛ فبعضُ واجباتِ الدينِ لا تتمُّ إلا بالتعاونِ المنظَّمِ، والتآزرِ في عملٍ منتظمٍ. وقد استقرَّ عندَ أهلِ العلمِ أنَّ “ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ”.
وليسَ بمُستنكَرٍ في الدينِ والحياةِ تجدُّدُ تلكَ الوسائلِ وتبدُّلُها، بل تعدُّدُها وتنوُّعُها؛ لأنَّها من المسائلِ الاجتهاديَّةِ التي تتعدَّدُ فيها الأنظارُ، وتتنوَّعُ فيها الوسائلُ بحسبِ المصالحِ والأحوالِ.فالاختلافُ والتنوُّعُ “سُنَّةٌ ربَّانيَّةٌ ” اقتضتها طبيعةُ النصوصِ التي تحتملُ تعدُّدَ الأفهامِ، واختلافُ مداركِ البشرِ وأمزجتِهم، وتفاوتُ أحوالِ الخلقِ وطبائعِهم. ولا يضيقُ بالتعدُّدِ المشروعِ إلا ضيِّقُ الصدرِ، بليدُ الذهنِ!
لكنَّ هذه الوسائلَ المشروعةَ، شأنُها شأنُ كلِّ جهدٍ بشريٍّ، يعتريها النقصُ في لُحمتِها أو سَداها، ويصحبُها الزللُ في مُبتداها أو مُنتهاها، وتفتقرُ دائمًا إلى المراجعةِ والتصويبِ والتجديدِ.
ولهذه الوسائلِ المشروعةِ آفاتٌ، من أخطرِها وأخفاها: قولبةُ الفكرِ، وانحسارُ العاطفةِ!
أمَّا قولبةُ الفكرِ؛ فبدلًا من أن تكونَ آراءُ المذاهبِ الفقهيَّةِ، ومناهجُ الجماعاتِ الإسلاميَّةِ، موضوعًا للتفكُّرِ والتقويمِ والتطويرِ، تنقلبُ هي نفسُها لتصبحَ أداةً للتفكيرِ في الآراءِ، وميزانًا للحكمِ على الأحياءِ، بل ومَعْقِدًا للولاءِ والانتماءِ!
وأمَّا انحسارُ العاطفةِ؛ فبدلًا من أن تنفتحَ مشاعرُ الحبِّ والرحمةِ والإخاءِ لتشملَ كلَّ مسلمٍ، سابقٍ بالخيراتِ أو مُقتصدٍ، تضيقُ هذه المشاعرُ أو تتَّسعُ، وتنفتحُ أو تنحسرُ، بحسبِ الموافقةِ في رأيِ المذهبِ أو الشيخِ، أو بحسبِ النُّصرةِ للطائفةِ والحزبِ!
والنجاةُ من تلكَ الآفاتِ طريقٌ صعبٌ؛ أساسُه:الاعتصامُ بالجوامعِ التي ثبتتْ في الكتابِ والسُّنَّةِ الصحيحةِ.
ومادَّتُه: نهيُ النفسِ عن الهوى، وتخليصُها من رعونتِها الخفيَّةِ، وإعمالُ العقلِ في تحصيلِ العلمِ النافعِ، والتدبُّرُ فيما أودعَه اللهُ تعالى من سُننٍ وقوانينَ في الكونِ والحياةِ.
ؤ
