
**بقلم: الدكتور خليل سوالم**
*مستشار إدارة مشاريع النفط والغاز والطاقة*
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية.. نقطة تحول في مستقبل الطاقة الليبية
تُعتبر الخطوة التاريخية التي اتخذها البرلمان الليبي بالتصديق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع الجانب التركي منذ نوفمبر 2019، بمثابة حجر الزاوية في رسم خارطة الطاقة الجديدة، ونقطة تحول جوهرية ليس فقط في تثبيت الحقوق السيادية لليبيا في مياهها الإقليمية، بل وفي إعادة رسم الخارطة الاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة حوض شرق المتوسط بأكملها.
ليبيا أمام فرصة تاريخية للتحول إلى لاعب رئيسي في سوق الغاز
في وقت يعيش فيه العالم أزمة طاقة طاحنة، وتلهث فيه أوروبا خلف مصادر آمنة وقريبة للغاز الطبيعي بديلة عن الغاز الروسي، تقف ليبيا اليوم أمام فرصة تاريخية للتحول من مجرد دولة مصدرة للنفط التقليدي إلى لاعب رئيسي ومحوري في سوق الغاز الإقليمي والدولي.
ثلاثة مكاسب استراتيجية للمواطن الليبي
من الأهمية بمكان توضيح أبعاد هذه الاتفاقية للمواطن الليبي بلغة واقعية ومباشرة، وإبراز المكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن تحققها للمواطن والوطن؛ إذ تتلخص أهميتها في ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. تأمين مستقبل الأجيال
تحمي الاتفاقية مساحات ضخمة في البحر، تشمل الجرف القاري، والغنية بالثروات الطبيعية، مما يضمن صون هذه الخيرات للشباب والأجيال القادمة.
2. زيادة الدخل وتحسين المعيشة
استخراج الغاز يعزز إيرادات الدولة، مما ينعكس مستقبلاً على تحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، واستقرار سعر الصرف.
3. المساهمة في حل أزمة الكهرباء
يُعد الغاز الطبيعي الوقود التشغيلي الأساسي لمحطات توليد الكهرباء، وزيادة إنتاجه محلياً تعني إمكانية الحد من أزمات طرح الأحمال وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر.
تعزيز السيادة البحرية وتوسيع فرص استكشاف الثروات الطبيعية
على الصعيد الفني والتخصصي، الذي يعني أهل الاختصاص وخبراء النفط والطاقة، تحقق الاتفاقية مكاسب استراتيجية تتمثل في:
1. تعظيم المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ)
تثبيت الحدود البحرية يمنح ليبيا أساساً قانونياً لتعزيز حقوقها البحرية وممارسة أعمال الاستكشاف والتنقيب في مناطق الجرف القاري التي كانت محل نزاع أو إهمال لعقود، مع مراعاة الأطر القانونية الدولية ذات الصلة.
2. التموضع الاستراتيجي في شرق المتوسط
يضع القرار ليبيا في موقع استراتيجي مؤثر في معادلة الطاقة الإقليمية، بما يعزز قدرتها على التفاوض بشأن مسارات نقل الغاز المتجهة إلى أوروبا، والتعامل مع التكتلات الإقليمية، مثل منتدى غاز شرق المتوسط.
3. سد الفجوة في السوق الأوروبية
تقع ليبيا على مسافة قصيرة من الشواطئ الأوروبية، مما يمنحها ميزة جغرافية في نقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية، وقد يسهم في خفض تكاليف النقل وتعزيز قدرتها التنافسية في التزويد.
عودة الشركات العالمية.. هل تستعيد ليبيا جاذبيتها الاستثمارية؟
أرى أن الاتفاقية تمثل فرصة لإنعاش قطاع النفط والغاز وتحديث بنيته التحتية، حيث يعاني القطاع حالياً من تهالك البنية التحتية وتراجع الإنتاج نتيجة ندرة التمويل والظروف الأمنية والفنية.
ويمكن أن توفر هذه الاتفاقية دافعاً لتجاوز هذه التحديات عبر عدة مسارات، أبرزها:
1. عودة الشركات العالمية العملاقة (IOCs)
إن توفير إطار قانوني واضح للاستثمار في المناطق البحرية، إلى جانب تحسين الأوضاع الأمنية، قد يشجع شركات الطاقة الكبرى على دخول السوق الليبية واستثمار مليارات الدولارات في مشروعات الاستكشاف والتطوير.
2. نقل التكنولوجيا وتحديث البنية التحتية
إن التعاون مع الجانب التركي، الذي يمتلك أسطولاً حديثاً للتنقيب في المياه العميقة، بما في ذلك سفن التنقيب المتطورة، قد يتيح نقل الخبرات الفنية والمعدات الحديثة إلى كوادر المؤسسة الوطنية للنفط، بما يسهم في تطوير القدرات المحلية.
3. تطوير الحقول البحرية وتأهيل المنصات
إن ضخ استثمارات جديدة في الحقول المكتشفة وغير المكتشفة في البحر المتوسط قد يسهم في إعادة تأهيل المنصات البحرية وتطوير خطوط الأنابيب والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج والتصدير.
ما بعد الغاز التقليدي.. نحو موارد الطاقة المستقبلية
لا تقتصر الفرص المستقبلية على استكشاف النفط والغاز التقليديين، بل يمكن أن تمتد إلى موارد وتقنيات جديدة تعزز استدامة قطاع الطاقة الليبي.
فتح الآفاق نحو موارد المستقبل
إن دعم الاستقرار الاستثماري في المناطق البحرية يتيح للمؤسسة الوطنية للنفط توجيه الموارد المالية وتطوير الشراكات نحو استغلال النفط والغاز الصخري، إلى جانب إدخال تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS)، بما يسهم في الحد من الانبعاثات وتلبية المعايير البيئية الدولية.
من التصديق إلى التنفيذ.. خارطة طريق لاستثمار الفرصة
لكن على الدولة الليبية أن تنتقل من الورق إلى الواقع وفق خارطة طريق عملية. ولكي لا تبقى هذه الاتفاقية حبيسة الأدراج أو حبراً على ورق، ينبغي للقيادة الليبية اتخاذ خطوات عملية وجريئة على أرض الواقع، تتلخص في أربعة محاور أساسية:
1. المحور التشريعي والتنظيمي
إصدار اللوائح التنفيذية اللازمة، واعتماد جولات جديدة لترخيص المربعات البحرية المكتشفة حديثاً، وفق شروط تجارية جاذبة للاستثمارات.
2. المحور الفني والاستكشافي
البدء الفوري في إجراء المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد (3D Seismic) للمناطق البحرية المستهدفة، بهدف تحديد المكامن الواعدة وتوفير البيانات الفنية اللازمة لاتخاذ قرارات الاستثمار.
3. المحور المؤسسي والحوكمة
إبعاد المؤسسة الوطنية للنفط عن الصراعات السياسية، وتأمين الميزانيات التشغيلية والتطويرية اللازمة لتمكينها من أداء مهامها بكفاءة واستقلالية مهنية.
4. المحور الاستراتيجي والتكاملي
وضع استراتيجية وطنية شاملة تدمج بين استغلال موارد الغاز الطبيعي البحري والتوسع في تقنيات الطاقة الحديثة، بما في ذلك استغلال موارد النفط والغاز الصخري وتطبيق تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS).
عودة العملاق النائم.. هل تقود الاتفاقية إلى نهضة اقتصادية؟
إن التصديق على هذه الاتفاقية ليس مجرد إجراء سياسي أو إداري، بل هو إعلان ميلاد جديد لقطاع الطاقة الليبي. ليبيا تقف اليوم على أعتاب مرحلة قد تنقلها من واقع المعاناة والانسداد إلى قيادة المشهد الاقتصادي في حوض المتوسط، بشرط الاستغلال الأمثل والتخطيط الاستراتيجي المستدام.
الدكتور خليل سوالم
*مستشار إدارة مشاريع النفط والغاز والطاقة*
