
لو رأى نفسه يومًا مطاردًا، مختبئًا في حفرة، محاصرًا بالخوف، تحيط به الوجوه التي لم يعد يرى فيها حاشيةً تهتف له، بل أناسًا يشهدون سقوطه الأخير… هل كان سيعيد النظر في قراراته؟ أم أن نشوة السلطة كانت ستعميه عن رؤية المصير الذي ينتظره؟
هل كان ليتخيّل أن الرجل الذي أمسك بمصائر الملايين، وأحكم قبضته على ليبيا لأكثر من أربعة عقود، سينتهي به المطاف في مشهد تختلط فيه مرارة الهزيمة بمأساة المصير؟
هكذا تفعل السلطة حين تطول: توهم صاحبها أن العرش أبدي، وأن الخوف الذي يزرعه في قلوب الآخرين سيحميه إلى الأبد.
لكن التاريخ لا يعرف الخلود للحكام، ولا يمنح المستبدين ضمانات ضد النهايات التي يصنعونها بأيديهم.
ولعل كلمة عبد السلام جلود، بعد ستة عشر عامًا من الانقلاب: «ندمت»، تختصر جانبًا من الحقيقة التي قد لا يدركها الإنسان إلا بعد أن يقطع شوطًا طويلًا في طريقٍ يصعب الرجوع عنه.
فكم من قرار بدا في لحظة القوة انتصارًا، ثم كشف الزمن أنه كان بداية السقوط؟ وكم من حاكم ظن أنه يُحكم قبضته على التاريخ، فإذا بالتاريخ يكتب الفصل الأخير من حكايته على نحو لم يتخيّله؟
كلما ارتفع الإنسان بالسلطة فوق الناس، ازداد خطر سقوطه حين يفقدها.
فالمجد الذي لا يستند إلى العدل هشّ، والسلطة التي تقوم على الخوف لا تصنع ولاءً حقيقيًا، والقوة التي لا تعرف حدودًا قد تتحول في النهاية إلى عبء على صاحبها.
المأساة ليست فقط في النهاية، بل في الطريق الطويل الذي يقود إليها، وفي الفرص التي أُهدرت، والقرارات التي لم تُراجع، والتحذيرات التي لم يُصغَ إليها أحد.
فالتاريخ لا يكشف للحاكم خاتمته قبل أن يختار طريقه، ولا يمنحه فرصة للعودة إلى الوراء بعد أن يدرك الحقيقة.
وبين نشوة البدايات ومرارة النهايات، قد تكون هناك سنوات طويلة من الوهم… تنتهي بلحظة واحدة تكشف كل شيء.
