
تحقيق في الوقائع، وشبكات الاشتباه، والروايات المتضاربة حول الهجمات التي طالت منشآت النفط والكهرباء في الزاوية
تعود قضية استهداف منشآت الطاقة في غرب ليبيا إلى الواجهة مع اتساع التحقيقات التي أعلنتها السلطات الليبية بشأن ما وصفته بـ«خلية تخريبية» قالت إنها تقف وراء سلسلة من الهجمات على منشآت حيوية في مدينة الزاوية ومحيطها.
ويستند هذا التقرير إلى دراسة أعدتها الشبكة الليبية للتعاون والتنسيق في 23 سبتمبر 2026، بعنوان «الخلية التخريبية واستهداف منشآت الطاقة في غرب ليبيا»، وهي دراسة تقدم سردًا زمنيًا للهجمات، وتعرض الروايات المتداولة حول هوية المشتبه بهم وارتباطاتهم، مع التأكيد في مقدمتها أن المادة بحثية وتحليلية ولا تمثل موقفًا سياسيًا منحازًا.
سلسلة هجمات بدأت في أغسطس
بحسب الدراسة، شهدت الزاوية خلال أغسطس وسبتمبر سلسلة من الحوادث استهدفت منشآت مرتبطة بالطاقة، من بينها خزانات ومرافق نفطية ومنشآت كهربائية.
ويشير الجدول الزمني الوارد في الصفحة الرابعة إلى أن البداية كانت في 8 أغسطس 2026، مع هجمات استهدفت مجمع الزاوية، أعقبها في 9 أغسطس استهداف منشأة لتحلية المياه، ثم في 10 أغسطس استهداف خزان تابع لشركة البريقة، ما أدى إلى حريق وانفجار خزان قيل إنه كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين.
وفي 11 أغسطس وقعت ضربات إضافية قرب خزانات ومرافق نفطية، قبل أن تتعرض البنية الكهربائية في الزاوية يومي 11 و12 أغسطس لهجوم أدى إلى انقطاع الكهرباء وتعطل محطة تحويل وفقدان جزء من القدرة التوليدية.
وتشير الدراسة، نقلًا عن بيانات ومصادر مفتوحة، إلى أن الأضرار لم تقتصر على منشأة واحدة، بل طالت سلسلة من نقاط البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والتخزين والتوزيع.
خسائر في قطاع الطاقة
تلفت الدراسة إلى أن الهجمات تسببت في أضرار مادية وتعطيل عمليات التخزين والتوزيع، كما أشارت إلى فقدان جزء من القدرة الكهربائية في المنطقة.
ومن بين الأرقام الواردة في الدراسة فقدان نحو 13 مليون لتر من السعة التخزينية في مستودع وقود الزاوية، بينما أدى الهجوم على محطة الكهرباء إلى انقطاع واسع في التيار الكهربائي.
وتستند الدراسة في هذا الجزء إلى تقارير منشورة من وكالة الأنباء الليبية ورويترز وأسوشيتد برس وغيرها من المصادر التي أدرجتها ضمن مراجعها.
من الهجمات إلى إعلان تفكيك «خلية»
في 6 سبتمبر، أعلنت السلطات الليبية توقيف خمسة أشخاص، وقدمت العملية باعتبارها تفكيكًا لما وصفته بـ«خلية تخريبية منظمة».
لكن الدراسة تشدد على ضرورة الفصل بين إعلان التوقيف وبين إثبات المسؤولية الجنائية عن جميع الهجمات.
فالجدول الموجود في الصفحة التاسعة يوضح أن السلطات أعلنت رسميًا توقيف خمسة أشخاص، بينما بقيت أسماء وأدوار أخرى متداولة في روايات صحفية غير رسمية، ولم تعتبر الدراسة أن جميع تلك الروايات وصلت إلى مستوى التحقق الرسمي.
الإسبانيون في قلب الرواية الجديدة
من أبرز عناصر القضية ظهور أسماء مواطنين إسبان في التحقيقات.
وتعرض الدراسة روايات صحفية تحدثت عن توقيف إسبانيين وأشخاص آخرين قيل إنهم فروا، مع وجود روايات مختلفة حول أدوارهم وعلاقاتهم المحتملة بالشبكة التي تحقق فيها السلطات.
لكن الدراسة تضع حدودًا واضحة لما يمكن إثباته؛ إذ تشير إلى أن جزءًا من المعلومات مصدره روايات صحفية وتصريحات غير رسمية، وليس قرارات قضائية نهائية.
كما تتناول الدراسة خلفية إسبانية أقدم مرتبطة بالتحقيق في صفقة شملت 44 طائرة مسيّرة عسكرية إلى ليبيا بقيمة 14.3 مليون يورو، وهي قضية تناولتها صحيفة El Independiente الإسبانية في ديسمبر 2024. غير أن وجود هذه القضية لا يثبت بحد ذاته ارتباطها بهجمات الزاوية في 2026، وهو تمييز تؤكد الدراسة أهميته.
اسم صدام حفتر يظهر في الروايات
مع اتساع التحقيقات، ظهرت في تقارير صحفية روايات تربط عناصر من الخلية المزعومة بشخصيات من شرق ليبيا، ومن بينها صدام حفتر.
لكن الدراسة لا تقدم دليلًا قضائيًا نهائيًا يثبت تورطه في الهجمات، بل تضع ما ورد بشأنه ضمن خانة الادعاءات أو الروايات التي تحتاج إلى إثبات.
وفي الجدول التقييمي في الصفحة التاسعة، وُصفت الادعاءات المتعلقة بصدام حفتر بأنها اتهامات صحفية وسياسية لا يظهر فيها، وفق المادة، رابط مالي أو قرار عملياتي منشور يمكن الاستناد إليه كدليل حاسم.
طارق بن زياد وميكيل أغيري.. أسماء أخرى في الملف
تتطرق الدراسة كذلك إلى روايات تحدثت عن ارتباط عناصر من التحقيق بـاللواء طارق بن زياد، وهي روايات نسبتها إلى مصادر صحفية، من دون اعتبارها مثبتة قضائيًا.
كما يظهر اسم ميكيل أغيري، الذي تصفه الدراسة بأنه ورد في روايات تتحدث عن صلة محتملة بقطاع النفط، لكنها تشير أيضًا إلى أن طبيعة دوره لا تزال بحاجة إلى توضيح وأدلة إضافية.
وتؤكد الدراسة أن مجرد ورود اسم شخص في رواية إعلامية أو وجود علاقة مهنية أو تجارية لا يكفي لإثبات مشاركته في الهجمات.
هل كانت الهجمات جزءًا من شبكة واحدة؟
هذه واحدة من أكثر الأسئلة تعقيدًا في الملف.
فالدراسة تعرض عدة تفسيرات محتملة:
- شبكة محلية داخل الزاوية.
- دعم أو ارتباط بعناصر من خارج المنطقة.
- تحرك أفراد بصورة مستقلة من دون رعاية دولة.
- أو وجود أكثر من مجموعة منفصلة استُخدمت الأساليب نفسها واستهدفت البنية التحتية ذاتها.
وتشير الدراسة إلى أن تسلسل الأحداث وحده لا يكفي لإثبات وجود قيادة مركزية واحدة، وأن تحديد طبيعة الشبكة يحتاج إلى أدلة فنية وقضائية إضافية.
الطائرات المسيّرة.. الحلقة الفنية الأهم
من بين الأسئلة التي تعتبرها الدراسة حاسمة: ما نوع الطائرات المسيّرة المستخدمة؟ ومن أين جاءت؟ ومن قام بتشغيلها؟
وتشير إلى أهمية تحليل بقايا الطائرات، وأنظمة الملاحة والاتصال، ومكونات التحكم، وأي بيانات إلكترونية يمكن استخراجها من الحطام أو الأجهزة المضبوطة.
وترى الدراسة أن هذه الأدلة يمكن أن تساعد في الانتقال من مستوى الاشتباه والروايات الإعلامية إلى تحديد المنفذين ومن قدم لهم الدعم اللوجستي أو التقني.
دخول المحكمة الجنائية الدولية على خط القضية
في 19 سبتمبر، أُعلن عن تحرك رسمي يتعلق بطلب مساعدة من المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات الليبية.
وتعرض الدراسة هذا المسار باعتباره انتقالًا بالقضية من المستوى المحلي إلى إطار تعاون دولي، لكنها تفرق في الوقت نفسه بين طلب المساعدة في التحقيق وبين ثبوت ارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة.
كما تشير إلى أن التعاون الدولي لا يعني تلقائيًا إدانة أي شخص، وإنما يهدف إلى توفير أدوات وخبرات وأطر قانونية للتحقيق.
خلاف حول «التسوية» والإفراج
بالتوازي مع التحقيقات، ظهرت روايات إعلامية عن اتصالات أو محاولات للتوصل إلى تسوية بشأن القضية.
وتشير الدراسة إلى وجود روايات متعارضة حول هذا الموضوع، بينها ما تحدث عن مفاوضات لإغلاق الملف، في مقابل تصريحات حكومية تنفي وجود نية للتفاوض أو عقد صفقة بشأن الموقوفين.
وبحسب المراجع التي أوردتها الدراسة، نفت حكومة الوحدة الوطنية وجود نية للتفاوض حول القضية، كما نقلت عن مسؤولين ليبيين تأكيدات بعدم وجود إفراج أو صفقة.
لماذا تحمل القضية أهمية أكبر من مجرد هجمات تخريبية؟
تكمن أهمية القضية في أن الأهداف لم تكن منشآت عادية، بل منشآت ترتبط بالنفط والوقود والكهرباء، وهي قطاعات شديدة الحساسية بالنسبة للاقتصاد الليبي.
وترى الدراسة أن تكرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الإنتاج والتخزين والتوزيع، فضلًا عن خلق آثار اقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز مدينة الزاوية.
كما تشير إلى أن استهداف منشآت الطاقة قد يتحول إلى وسيلة ضغط في الصراع السياسي والأمني الأوسع إذا ثبت وجود جهات منظمة تقف وراء العمليات.
ما الذي لم يُحسم بعد؟
رغم اتساع التحقيقات، تترك الدراسة عددًا من الأسئلة مفتوحة:
من أصدر الأوامر؟
من موّل العمليات؟
من وفر الطائرات المسيّرة أو المعدات؟
هل كانت الخلية محلية أم امتدت إلى خارج الزاوية؟
هل هناك صلة فعلية بين الموقوفين والهجمات كافة؟
وهل ترتبط الأسماء التي ظهرت في التقارير الصحفية بسلسلة العمليات أم أن بعضها نتج عن روايات لم تُثبت؟
وتؤكد الدراسة أن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى أدلة فنية وقضائية، وليس فقط إلى الاعترافات أو الروايات الإعلامية.
الخلاصة
قضية «الخلية التخريبية» في غرب ليبيا أصبحت واحدة من أكثر الملفات الأمنية حساسية خلال سبتمبر 2026، بعدما انتقلت من سلسلة هجمات على منشآت الطاقة في الزاوية إلى تحقيق أوسع يتضمن موقوفين ليبيين وأجانب، وروايات عن امتدادات داخل ليبيا وخارجها، ومسارًا للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
لكن المؤكد حتى الآن ليس بالضرورة مساويًا لما يرد في الروايات المتداولة. فالمادة نفسها تميز بين الوقائع الموثقة، والاتهامات، والمعلومات الصحفية، والفرضيات التي لا تزال مفتوحة.
ولهذا، فإن الحسم الحقيقي للملف سيعتمد على الأدلة الفنية، وسجلات الاتصالات والتحويلات المالية، وتحليل الطائرات المسيّرة ومكوناتها، وشهادات الموقوفين، وما ستكشفه التحقيقات القضائية من صلات فعلية بين الأشخاص والعمليات.
وبينما أعلنت السلطات تفكيك خلية، يبقى السؤال الأهم: هل تم تفكيك الشبكة كاملة، أم أن التحقيقات لم تصل بعد إلى الحلقة التي تقود إلى من خطط ومول ووجّه هذه العمليات؟

