إسقاطات متلازمة ستوكهولم على المجتمعات العربية

كتب: عصام غالب عواد
متلازمة ستوكهولم Stockholm syndrome هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف.
وتسمى أيضاً برابطة الأسر أو الخطف وقد اشتهرت في العام 1973 حيث تظهر فيها الرهينة أو الأسيرة التعاطف والانسجام والمشاعر الإيجابية تجاه الخاطف أو الآسر، تصل لدرجة الدفاع عنه والتضامن معه.
هذه المشاعر تعتبر بشكل عام غير منطقية ولا عقلانية في ضوء الخطر والمجازفة التي تتحملها الضحية، إذ أنها تفهم بشكل خاطىء عدم الاساءة من قبل المعتدي إحساناً ورحمة.
ويمكن اعتبار متلازمة ستوكهولم نوعا من الارتباط الذي له علاقة بالصدمة، ولا يتطلب بالضرورة وجود حالة خطف، فهو ترابط عاطفي قوي يتكون بين شخصين أحدهما يضايق ويعتدي ويهدد ويضرب ويخيف الآخر بشكل متقطع ومتناوب.
إحدى الفرضيات التي تفسر هذا السلوك، تفترض أن هذا الارتباط هو استجابة الفرد للصدمة وتحوله لضحية. فالتضامن مع المعتدي هو أحد الطرق للدفاع عن الذات. فالضحية حين تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدي فان هذه الأفكار والتصرفات لن تعتبرها الضحية تهديدًا أو تخويفا.
ويمكن تفسير متلازمة ستوكهولم طبقاً لعلم النفس التطوري الذي يفسر التعاطف والارتباط مع الخاطف بأنه حل لمشكلة تعايش الضحية مع وضع تكون فيه مسلوبة الارادة ومغلوبة على أمرها للحفاظ على حياتها وبقائها وهو معروف منذ اقدم العصور.
فإحدى المشاكل التي كانت تواجه النساء في المجتمعات البدائية هي التعرض للخطف أو الأسر من قبل قبيلة أخرى، فخطف النساء واغتصابهن وقتل اطفالهن الصغار كان أمراً شائعاً وكانت المرأة التي تقاوم في تلك المواقف تعرض حياتها للخطر.
وخلال فترات طويلة من التاريخ كان خوض الحروب واخذ السبايا أمراً طبيعياً وقد كانت السبية أو الأسيرة تتعايش وتندمج ضمن القبيلة التي أسرتها وتخلص
هذا النمط من الحياة ما زال معروفاً لدى بعض القبائل البدائية، وكذلك لدى بعض الثدييات المتطورة.

وما زالت هناك انواع من العلاقات في الوقت الحاضر تحمل بعض السمات النفسية للارتباط مع الخاطف أو الآسر مثل متلازمة الزوجة المتعرضة للضرب، والعلاقة خلال التدريبات العسكرية الاولية، وضمن الأخويات أو نوادي الرجال، وكذلك في بعض الممارسات الجنسية كالسادية والماسوشية أو الارتباط والعقاب.
ويمكن ملاحظة وجود بعض مميزات متلازمة ستوكهولم لدى ضحايا العنف في مواقف محددة مثل: المشاعر الايجابية للضحية كالحب والشفقة تجاه المعتدي المتحكم، المشاعر السلبية للضحية كالبغض تجاه من يحاول تخليصها، وجود سلوك مساند من قبل الضحية لمساعدة المعتدي، وعدم رغبة الضحية بالخلاص من المعتدي.
تنطبق النظرية أعلاه على الأفراد الذين تعرضوا لحالات الخطف أو وقعوا ضحايا التعذيب والأسر والاضطهاد الجنسي والجسدي والنفسي، وفي حالات الجرائم يشجع الضحية على هذا السلوك، فهو يزيد من فرص نجاة الضحايا. لكن المصابون به يكونون عادةً غير متعاونين أثناء عملية إنقاذهم أو التحقيق معهم.
ويفاجأ القارئ بحجم إسقاط هذه النظرية المهول على مجتمعات بأكملها، وننطلق هنا من السمات النفسية للمجتمعات العربية الضحية من ارتباطها بجلّاديها بطريقة مدهشة ولا يمكن لعاقل تصديقها، وحيث أننا لو عممنا الحالة على مجموعات كبيرة داخل المجتمعات، فإنه وبالوضع الطبيعي سيتم تخوين هذه المجموعات ونبذها من البوتقة الأم -ألا وهي الوطن أو المجتمع- نظرا لارتدادها تماما عن الثقافة السائة والحالة الوطنية المُجمع عليها والتي لا مجال فيها لإنكار الحق.
إلا أنه وبنظرة أعمق للمجتمعات العربية نجد أن متلازمة ستوكهولم متمكنة تماما من نسبة كبيرة من هذه المجتمعات، وأن الخطر والآثار الاجتماعية والسياسية لهذه المتلازمة هي في الواقع أخطر كثيرا مما نراه في حالات أخذ الرهائن أو الاختطاف أو الاعتداء الجسدي والجنسي الفردية نظرا للشق الاجتماعي والسياسي والوطني والأخلاقي الذي تحدثه هذه المتلازمة عند إصابة مجموعات كبيرة في داخل المجتمعات بها.
للوهلة الأولى سيعتقد القارئ أن ما ذُهب إليه من تحليلات هي مجرد ضرب من ضروب الخيال، إلا أن ما أفرزته البيئات الثقافية العربية من انهزام وخنوع للحاكم أو للمحتل منذ اندحار المستعمر عن هذه الثقافات لا يدع مجالا للتهرب من نظرة نفسية أخرى لما تؤول إليه حال هذه المجتمعات.
ولسنا هنا بحاجة للتذكير بواقع الحريات في المجتمعات العربية ولا حاجة أيضا لسرد أسباب غياب الحريات الرئيسي وهو الدكتاتورية الحاكمة في هذه المجتمعات والناشئة بشكل مباشر عن قمع الأنظمة والسطات لمجتمعاتها وتقييد حرية التعبير، إلا أن هنالك ظاهرة يجب الالتفات إليها جيدا، وهو حجم التمجيد في الأنظمة من قبل مجموعات كبيرة داخل هذه المجتمعات، وهذه المجموعات تكاد تشكل نسبة حاسمة لو تم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة بحيث تعود بالحاكم المستبد مرة أخرى إلى سدّة الحكم، وهذه المرة باسم الديمقراطية، بل وقد تحتشد الملايين في الشوارع دعما للحالكم دون أي إكراه من قبل عصا الأمن، ولنا في ثورات ما يسمى الربيع العربي أمثلة تبدأ من حملات اعتذار لرئيس مستبد تم خلعه، أو حتى استعداد مجموعات كبيرة من الشعب تنظيم وتسليح نفسها رغبة في الموت فداء للحاكم، بل والبكاء والتباكي على الحاكم.
يعود سبب إصابة المجتمعات العربية بمتلازمة ستوكهولم إلى عدة أسباب، ليس آخرها الاعتياد على المألوف والخوف من المجهول، والاعتقاد بأن تمجيد الظلم سينجي هذه المجتمعات من البطش، وهنا تلعب الثقافة العامة في التفكير الجمعي دورا خطيرا وحساسا، حيث أن الجلّاد وفق نظرية متلازمة ستوكهولم يتعمد تغذية الضحية باستمرار بأن بديله سيكون أسوأ، وفي حالة المجتمعات يتم استخدام الإعلام في عملية التغذية على مدار الساعة بهذه الأفكار، وصولا لحالة الشلل الفكري ومنها لحالة التعاطف وخلق المشاعر الإيجابية تجاه الجلّاد، بل وزد على ذلك خلق المشاعر السلبية تجاه من يحاول تحرير هذه المجتمعات أو إنقاذها من البطش أو حتى الوقوف بجانبها، ويبدأ الشق المجتمعي الأول بالظهور على شكل موالاة ومعارضة (تسمى الموالاة في بعض الثقافات بلطجية أو شبيحة في حين تسمى المعارضة بالإرهابيين أو المخربين أو التكفيريين)، وبين هذا وذاك تداس بالأقدام الكثير من المجموعات الأخرى. وفي حالات أخرى قد تظهر مجموعات ضحية مصابة بمتلازمة ستوكهولم وتنظم نفسها أو تنسب حراكها لطائفتها أو دينها أو عشيرتها أو مناطقيتها.
هذا في حال كان الجلّاد من نفس جلدة الضحية، ولكن في حال كان الجلّاد محتلّاً، يكون التوحد والتماهي معه أخطر كثيرا من الحالة السابقة، فترى مجموعات بأكملها تتماهى ثقافيا ولغويا واجتماعيا مع المحتل إعجابا بثقافته، تلبس زيه وتتحدث لغته، بل وتحارب معه بالسلاح مجتمعاتها الأم وتهاجم أصولها الثقافية بحجة تخلف العادات والتقاليد، وتصبح مجموعات بأكملها مرتزقة بيد الدخيل ضد أبناء جلدتها، وفي أبسط الأحوال فإن هذه المجتمعات تعامل مجتمعاتها الأم على أنها مجتمعات مختلفة عنها ولا يناسبهم الانتماء إليها، نتيجة الاعتياد على الانتماء من الدرجة الثانية أو الثالثة أو العاشرة بعد لعبة ابتزاز طويلة قام بها الجلّاد.
أيّاً يكن من أمر، فإننا كمجتمعات لا نستطيع إطلاق وصف الخيانة على المجموعات الظاهرة بيننا سواء كانت دينة أو قبلية أو مناطقية أو طائفية، كون متلازمة ستوكهولم هي ظاهرة نفسية مرضية يجب علاجها علاجا مجتمعيا، وتتحمل النخب الثقافية مسؤولية تعزيز وتحصين المجتمعات بشكل يسمح للمجموعات تمييز الصواب من الخطأ وعدم تبرير اتباع الخطأ أياً تكن المنفعة المتحصلة من هذا التماهي مع الجلّاد.
