
هل تقترب ليبيا من الحل أم من الهاوية؟
تُقدّم ليبيا اليوم واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية والسياسية إيلاماً في العصر الحديث؛ بلدٌ يمتلك أضخم احتياطيات نفطية في القارة السمراء، لكنه يرزح تحت وطأة دين عام محلي مرعب تجاوز 146% من ناتجه المحلي الإجمالي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية تقنية، بل هو جرس إنذار أخير كشف عنه “تقرير الحوار المُمهيكل” لعام 2026. إن هذه الوثيقة لا تمثل روتيناً بيروقراطياً، بل هي “خارطة طريق” سيادية صاغها 120 مشاركاً ليبياً من مختلف المشارب السياسية والجغرافية، لتمثل المخرج الأخير من “ارتهان المسار” (Path dependency) الذي قاد البلاد نحو الانسداد. فهل نحن أمام فرصة تاريخية للإصلاح، أم أن تكلفة “اللا فعل” ستدفعنا نحو الانهيار الكامل؟
أولاً: “حسابات الانهيار”.. الاقتصاد الليبي في منطقة الخطر الحرج
يكشف التشخيص الكلي للاقتصاد (الفترة 2012-2025) عن واقع مالي مشوه تقوده “الهشاشة البنيوية”. لقد بلغ الإنفاق العام التراكمي في هذه الفترة 1,401 مليار دينار، لكن الصدمة الحقيقية تكمن في أن هذا الإنفاق لم يذهب لبناء الدولة، بل كان ضحية “الازدواج المؤسسي”؛ حيث أنفقت الحكومات المتعاقبة في طرابلس وبنغازي 1,182 مليار دينار، بينما تراكم الدين العام المحلي ليصل إلى 303 مليار دينار.
هذا الدين المحلي ليس مجرد رقم دفتري، بل هو قنبلة موقوتة تهدد سيولة القطاع المصرفي بالكامل. ومع ارتهان الميزانية العامة لتقلبات النفط بنسبة 98%، وتوجيه 73% من الإنفاق للمرتبات والدعم، أصبح الإنفاق التنموي في حالة “ضمور” لا تتجاوز 11.3%.
“تضع هذه الأرقام الاقتصاد الليبي في منطقة الخطر الحرج وفق معايير صندوق النقد الدولي، التي تعتبر تجاوز نسبة الدين العام لـ 120% من الناتج المحلي خطراً يستوجب تدخلاً جراحياً عاجلاً قبل حلول عام 2027”.
ثانياً: تفكيك المركزية.. نظام “الولايات” وصندوق التوازن المالي
كعلاج جذري للصراع المرير على الموارد، يقدم مسار الحوكمة مقترحاً “تحويلياً” يهدف إلى إنهاء المركزية المقيتة عبر العودة إلى نظام “الولايات”. هذا المقترح ليس مجرد إعادة تسمية إدارية، بل هو رؤية لتمكين الأقاليم من سلطات تشريعية وتنفيذية حقيقية تضمن العدالة التنموية.
ولكي لا يتحول نظام “الولايات” إلى مادة للصراع على آبار النفط، يطرح التقرير آلية هيكلية مبتكرة هي “الصندوق الوطني للتوازن المالي”. يعمل هذا الصندوق على إعادة توزيع الثروة بناءً على معايير موضوعية مثل الكثافة السكانية والاحتياجات التنموية المكانية، مما يضمن تدفق الموارد للبلديات الأقل حظاً. إن هذا التحول هو المفتاح لكسر “الانكشاف الريعي” وضمان أن تكون التنمية حقاً مكفولاً لا منحةً مركزية.
ثالثاً: “الاستفتاء التحكيمي”.. استعادة السيادة الأصلية للشعب
لطالما كان “الانسداد السياسي” نتاجاً لتمسك النخب بالسلطة عبر المماطلة الدستورية. هنا، يقدم التقرير “سلاح كسر الجمود”؛ وهو “الاستفتاء التحكيمي”. هذا المفهوم يتجاوز المناورات السياسية ليعيد “السيادة الأصلية” للشعب الليبي ليفصل في القضايا الخلافية الكبرى.
وفقاً للتوصيات، يُمنح مجلسي النواب والدولة مهلة محددة بـ 45 يوماً فقط للتوافق على القوانين الانتخابية والتعديلات الدستورية بعد تقديم التقرير. وفي حال الفشل -وهو المرجح تاريخياً- يتم تفعيل “الاستفتاء التحكيمي” مباشرة لتجاوز المجالس التشريعية عبر الإرادة الشعبية.
“يتمثل جوهر هذا الحل في جعل الإرادة الشعبية هي المرجعية النهائية في حسم القضايا الخلافية، بما يضمن عدم رهن مستقبل الدولة بتوافقات النخبة التي فشلت في إنهاء المرحلة الانتقالية”.
رابعاً: كوطة الـ 35%.. التحول من التمثيل “الصوري” إلى “البنيوي”
في نقلة نوعية من “سياسة الرمزية” إلى “تمكين القوة”، يدعو التقرير لفرض نسبة تمثيل للمرأة لا تقل عن 35%. لكن الميزة الاستراتيجية لهذا المقترح تكمن في شموليتها؛ فهي لا تقتصر على البرلمان فحسب، بل تمتد لتشمل المؤسسات السيادية، لجان المصالحة الوطنية، والمجالس التنفيذية.
إن هذا المطلب لم يأتِ كترضية حقوقية، بل كضرورة بنيوية لضمان “شمولية العملية السياسية”. إن إشراك المرأة في دوائر صنع القرار واللجان الدستورية هو الضمانة الوحيدة لاستقرار المسار السياسي وحمايته من الهزات الارتدادية للصراعات المسلحة، مما يجعلها شريكاً أساسياً في هندسة الدولة الجديدة.
خامساً: سيناريو “الرعب” في 2027.. ما وراء لغة الأرقام
الإصلاح في ليبيا اليوم ليس خياراً ترفياً، بل هو استراتيجية بقاء. عبر استخدام النمذجة القياسية المتقدمة (GRETEL)، وضع الخبراء تصوراً مرعباً لتكلفة “اللا فعل” إذا استمر الوضع الراهن حتى عام 2027:
- انكماش اقتصادي حاد: وصول معدل نمو الناتج المحلي إلى -4.5%.
- انفجار الفقر: قفزة مرعبة في معدلات الفقر لتشمل 59% من الشعب الليبي.
- انهيار العملة: وصول سعر الصرف في السوق الموازي إلى 14.5 دينار/دولار.
- اقتصاد الظل: توسع الأنشطة غير القانونية لتتجاوز 30% من حجم الاقتصاد الرسمي.
هذا السيناريو يعني ببساطة تحول ليبيا إلى “بيئة طاردة” للكفاءات، وانهياراً كاملاً في منظومات الخدمات الأساسية (طاقة، مياه، صحة)، مما يجعل الدولة الليبية “كياناً هشتّاً” غير قابل للحياة.
الخاتمة: ليبيا 2026.. هل نمتلك شجاعة التغيير؟
يضع تقرير “الحوار المُمهيكل” النخبة الليبية والمجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة. إن “الاحتمال الإصلاحي التفاؤلي” الذي يضمن ميزانية متوازنة بحلول عام 2030 ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية تكسر “الجمود المؤسسي”.
السؤال الذي يبقى معلقاً في أروقة السلطة وبين طيات هذا التقرير: “هل تمتلك النخبة السياسية الليبية الشجاعة الكافية لتبني هذا المسار التحويلي، أم أن تكلفة الانتظار حتى عام 2027 ستكون أغلى مما يمكن للدولة -وللشعب- أن يحتمل؟”
