
فرج أكويدير
20 أكتوبر 2026
منذ صعوده إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في الأول من سبتمبر عام 1969، وحتى مقتله في عام 2011، حكم معمر القذافي ليبيا بقبضة حديدية استمرت اثنين وأربعين عاماً. تحولت ليبيا في عهده من دولة ذات دستور ومؤسسات إلى حقل تجارب لأفكاره الشخصية التي صاغها في “الكتاب الأخضر”، مؤسساً لنظام شمولي اعتمد على القمع الدموي الداخلي، وتصدير العنف إلى الخارج، وتدمير مقدرات الدولة، وصولاً إلى ارتكاب أفظع المجازر ضد شعبه.
القمع الداخلي وحملات المشانق العلنية
اعتمد النظام على تصفية المعارضين جسدياً كوسيلة لترويع المجتمع وفرض السيطرة المطلقة، وشهدت الساحة الليبية موجات متتالية من الإعدامات العلنية التي نُفذت في الميادين العامة وساحات الجامعات. تحول يوم السابع من أبريل من كل عام إلى تاريخ دموي لتصفية الحركة الطلابية انتقاماً من انتفاضة أبريل 1976، حيث نُصبت المشانق للطلاب المعارضين وبُثت عمليات الإعدام على التلفزيون الرسمي. من أبرز ضحايا هذه الحملات عمر علي دبوب ومحمد الطيب اللذان أُعدما شنقاً أمام مبنى الاتحاد الاشتراكي في بنغازي، وأحمد فؤاد وعمر المخزومي في الميناء، إلى جانب طلاب عرب وُجهت لهم تهم التآمر. كما شهد شهر يونيو من عام 1984 حملة إعدامات انتقامية إثر هجوم “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” على ثكنة باب العزيزية، حيث أُعدم المهندس الصادق حامد الشويهدي وعثمان علي زرتي وغيرهم شنقاً أمام آلاف الحاضرين في الساحات والمجمعات الرياضية. وامتدت جرائم القمع لتشمل مجزرة سجن أبو سليم المروعة، وهي من أبشع الجرائم في تاريخ ليبيا الحديث. ففي يونيو 1996، بعد احتجاج السجناء على ظروف اعتقالهم القاسية، وبعد مفاوضات وعدهم فيها عبد الله السنوسي بتحسين أوضاعهم، باغتتهم أيادي الغدر، فقُتل أكثر من ألف ومائتي سجين سياسي رميًا بالرصاص داخل السجن في طرابلس. ومنهم من قُتل داخل الساحات، ومنهم من نُقل مصابًا أو مريضًا بدعوى العلاج ثم أُعدم خارج العنابر، بحسب روايات الناجين. وتستر النظام على الجريمة لسنوات طويلة، فبقيت العائلات تحمل الطعام والملابس إلى السجن دون أن تعلم بوفاة أبنائها. ولم يبدأ النظام بإبلاغ بعضها إلا عام 2001، ولم يعترف القذافي علنًا بوقوع القتل إلا في أبريل 2004، ولم تصدر شهادات الوفاة على نطاق واسع إلا منذ ديسمبر 2008، أي بعد أكثر من اثني عشر عامًا، دون ذكر سبب الوفاة أو تسليم الجثامين.
تصفية المعارضين في الداخل والخارج حملات الاغتيال الممنهجة
لم يكتفِ النظام بقمع معارضيه عبر المشانق العلنية، بل دشن حملات تصفية جسدية واغتيالات ممنهجة طالت النشطاء والسياسيين والمفكرين داخل ليبيا وخارجها. على الصعيد الخارجي، أطلق القذافي في عام 1980 مصطلح “الكلاب الضالة” على المعارضين الليبيين في المهجر، معطياً الضوء الأخضر لأجهزته الأمنية لتصفيتهم. شهدت عواصم أوروبية وعربية سلسلة اغتيالات، منها اغتيال الصحفي محمد مصطفى رمضان، والمحامي محمود نافع في لندن، بالإضافة إلى اختطاف وزير الخارجية الأسبق والمعارض البارز منصور الكيخيا في القاهرة في ديسمبر 1993، والذي أُخفي قسرياً حتى عُثر على رفاته بعد سقوط النظام. أما في الداخل، فمن أبشع الجرائم تصفية الكاتب والصحفي ضيف الغزال، الذي اختُطف في بنغازي في مايو عام 2005، ليُعثر على جثته وعليها آثار تعذيب مروع شملت بتر أصابعه قبل إعدامه بالرصاص. كما تعرض المعارض البارز فتحي الجهمي لسلسلة اعتقالات منذ 2002، ليُزج به في السجن الانفرادي مع منعه من الرعاية الصحية حتى دخل في غيبوبة وتوفي في مايو 2009.
انتهاك المقدسات الدينية والعقاب الجماعي للمعارضين
لم يتوقف جنون العظمة لدى القذافي عند حدّ تصفية الخصوم السياسيين، بل امتد إلى محاربة الهوية الثقافية والدينية للمجتمع الليبي. فقد ناصب النظام العداء لعلماء الدين والمشايخ الذين عارضوا تفسيراته الشاذة للدين ومحاولاته العبث بالسنة النبوية. وتعرض العديد من المشايخ وخطباء المساجد للاعتقال والتعذيب والتغييب في السجون، ومن الأمثلة البارزة جريمة قتل العالم الجليل الشيخ محمد عبد السلام البشتي، إمام مسجد القصر في طرابلس، الذي اعتُقل في 21 نوفمبر 1980، وأُبلغت أسرته بوفاته عام 1988 دون تسليم الجثمان. وفي يوليو 2008 قال سيف الإسلام القذافي، في خطاب متلفز، إن الشيخ قُتل في غابة قرب طرابلس.
ولم يُستهدف الشيخ البشتي وحده، بل شملت حملة الاعتقالات تلاميذه والمقربين منه من خطباء المساجد في طرابلس، وتذكر الروايات أن بعضهم قضى تحت التعذيب أو بالتصفية المباشرة لمجرد تمسكهم بكلمة الحق ورفضهم الانصياع لإملاءات اللجان الثورية وتشويه الدين.
وفي محاولة حاقدة لمحو الذاكرة الوطنية وتاريخ البلاد، ارتكب النظام جرائم بشعة تمثلت في الاعتداء على المقابر والأضرحة وتدنيس رفات الموتى. وتجلى ذلك بوضوح في جريمته النكراء بحق مقابر الأسرة السنوسية، خاصة في الجغبوب، حيث جرى هدم الأضرحة ونبش القبور بالجرافات وتحويلها إلى ركام، في سعي لطمس معالم تضم رفات شخصيات وطنية وتاريخية بارزة، وفي سابقة أخلاقية ودينية خطيرة لم يعهدها المجتمع الليبي. وترافق هذا العبث بالمقدسات مع انتهاج سياسة “العقاب الجماعي” ضد كل من يجرؤ على معارضة النظام، إذ شرعن القذافي هدم منازل المعارضين وتشريد عائلاتهم لتكون عبرة لغيرهم. وتجلت أبشع صور هذا العقاب في مدينة بني وليد إثر محاولة الانقلاب العسكري عام 1993، حيث وجّه جرافاته لهدم منازل عائلات الضباط وتسويتها بالأرض، وطرد النساء والأطفال والشيوخ إلى الشوارع بلا مأوى.
جريمة العصر الطبية: أطفال مستشفى الفاتح والمتاجرة السياسية بمرض الإيدز
شهدت مدينة بنغازي عام 1998 واحدة من أفظع الجرائم الطبية والإنسانية في العصر الحديث، حين استيقظت مئات العائلات على فاجعة إصابة أكثر من أربعمائة طفل بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) داخل مستشفى الفاتح للأطفال. ولم تكن هذه الكارثة خطأً طبيًا عابرًا. فقد تداولت الأوساط المحلية روايات عدة لتفسيرها قيل إنها نُفذت عن قصد لإجراء تجارب مشبوهة، وقيل إن الأطقم الطبية كانت تعمل لحساب أجندة مخابرات أجنبية. وأرجّح، إضافةً إلى كل ما سبق، أن ما حدث كان نتيجة حتمية لانهيار البنية التحتية الصحية، والفساد الإداري المستشري، والانعدام التام لمعايير التعقيم، وهي أمور يتحمل النظام مسؤوليتها المباشرة. وبدل أن يُعلن حالة الطوارئ لإنقاذ حياة الأطفال، اختار القذافي تحويل أجسادهم الغضة إلى سلعة سياسية وأداة للابتزاز الدولي.
سارع النظام إلى تبرئة ساحته بتلفيق التهم لستة من الكوادر الطبية الأجنبية، وقيل إنهم أدلوا باعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب في أقبية الاحتجاز، ثم حُكم عليهم بالإعدام. وفي مسرحية امتدت أمام الرأي العام المحلي والدولي قرابة عقد كامل، تلاعب النظام بمشاعر الأمهات والآباء المكلومين، واستخدم أرواح الأطفال المهددين بالموت ورقة تفاوض رخيصة لكسر عزلته الدولية ورفع الحظر الاقتصادي وتلميع صورته أمام الغرب. وفي النهاية، أُبرمت الصفقات السياسية المشبوهة، ودُفعت التسويات المالية، وأُفرج عن الطاقم الطبي ليُستقبل في بلدانه استقبال الأبطال، وحصد النظام ثمن المأساة مكاسب دبلوماسية. أما الأطفال الضحايا وعائلاتهم فتُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم في صمت: موتٌ بطيء، ونقص في الرعاية الطبية المتخصصة، وقسوة الوصمة الاجتماعية، حتى تساقط العشرات منهم واحدًا تلو الآخر. وإلى اليوم لم تُفتح تحقيقات جادة تنصف الضحايا حقًا، ولم يعرف المجتمع الليبي ولا أسر الأطفال لماذا حُقن أولئك الأطفال بالفيروس، ومن يتحمل المسؤولية الحقيقية عن ذلك. وتبقى هذه الجريمة المروعة وصمة عار تلاحق النظام، وتكشف استرخاصه المطلق لحياة المواطن الليبي ولحقوق طفولته.
جريمة القانون رقم 4 ومصادرة الأملاك الخاصة
في عام 1978، ارتكب النظام إحدى أكبر الجرائم الاقتصادية والاجتماعية بإصداره “القانون رقم 4″، والذي شكل غطاءً قانونياً للسطو الممنهج على الممتلكات الخاصة للمواطنين. تحت شعار “البيت لساكنه”، سمح النظام بمصادرة آلاف المنازل والعقارات من مالكيها الشرعيين ومنحها للمستأجرين أو لموالين للجان الثورية، مما أدى إلى تشريد العائلات وسلب جنى أعمارهم. ولم يقف الأمر عند المساكن، بل امتد تحت شعار “شركاء لا أجراء” إلى مصادرة المصانع الخاصة والمشاريع التجارية والمحلات، حيث تم تحريض العمال على طرد الملاك الأصليين. كما رُفع شعار “الأرض ليست ملكاً لأحد” ليتم بموجبه انتزاع الأراضي والمزارع الخصبة من أصحابها وتوزيعها بشكل عشوائي، وهو ما شكل ضربة قاضية للطبقة المتوسطة وشرعن السرقة كنهج دولة أسس لخراب اقتصادي عميق.
خطف الطلاب وحرب تشاد: محارق الموت لأطماع شخصية
في واحدة من أكثر الجرائم غدراً بحق الشباب الليبي، زج القذافي بالآلاف من أبناء ليبيا في حرب استنزاف عبثية في تشاد (1978 – 1987) إرضاءً لأطماعه التوسعية وجنون العظمة. لم يكتفِ النظام بالتجنيد الإجباري التقليدي، بل لجأ إلى سياسة الاختطاف المباشر، حيث تم اقتياد طلبة المدارس الثانوية والجامعات من قاعات الدراسة، أو خداعهم تحت غطاء “المعسكرات الصيفية” للتدريب العسكري. وبدلاً من إعادتهم إلى عائلاتهم، تم شحن هؤلاء المراهقين والشباب مباشرة في طائرات عسكرية ونقلهم إلى جبهات القتال والموت في قطاع أوزو وشمال تشاد دون أي تدريب قتالي حقيقي أو عتاد مناسب. وجد هؤلاء الطلاب أنفسهم وقوداً لحرب خاسرة، مما أسفر عن مقتل الآلاف منهم في رمال الصحراء، ووقوع الآلاف في الأسر، بينما بقيت عائلاتهم لسنوات طويلة تجهل مصير أبنائها، في مجزرة صامتة دمرت جيلاً كاملاً وتركت جراحاً غائرة في كل بيت ليبي.
رعاية الإرهاب والتدخلات الخارجية
لم تتوقف مغامرات النظام عند الحدود الإفريقية وتدمير جيشه في تشاد، بل سخر القذافي ثروات ليبيا النفطية لتمويل حركات التمرد والجماعات المسلحة حول العالم، مما أدخل البلاد في عزلة دولية خانقة. امتدت جرائم النظام لتشمل التورط المباشر في عمليات إرهابية دولية استهدفت المدنيين، أبرزها تفجير طائرة بان أمريكان فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية عام 1988، وتفجير طائرة الركاب الفرنسية “يو تي إيه” فوق النيجر عام 1989، وهي الجرائم التي أودت بحياة المئات واضطرت ليبيا لاحقاً لدفع مليارات الدولارات من أموال الشعب كتعويضات لرفع العقوبات عنها.
تفكيك مؤسسات الدولة وإهدار الاقتصاد
رغم العائدات النفطية الهائلة، عاش المواطن الليبي في مستويات معيشية متدنية نتيجة السياسات الاقتصادية والإدارية الكارثية. تحت مسمى “الجماهيرية” و”سلطة الشعب”، فكك القذافي مؤسسات الدولة، وألغى الدستور، ودمر النقابات ومنظمات المجتمع المدني. تم إهدار مئات المليارات على مشاريع وهمية وشراء ذمم سياسيين أجانب لتنصيب القذافي “ملكاً لملوك أفريقيا”، في حين تركز الفساد ونهب المال العام في أيدي أبنائه والدائرة الضيقة المحيطة به، تاركاً البنية التحتية وقطاعات التعليم والصحة في حالة من الانهيار المتعمد.
مجازر وجرائم ثورة السابع عشر من فبراير
عندما اندلعت الاحتجاجات السلمية في فبراير 2011، واجهها القذافي برد فعل مفرط الدموية. لم تقتصر الجرائم على القصف العشوائي بالمدفعية الثقيلة والطيران، بل امتدت لتشمل تصفية الأسرى والكوادر الطبية، كجريمة إعدام الطبيب الشاب سهيل الأطرش بدم بارد في رأس لانوف. كما ابتكر النظام وسائل تعذيب بشعة، تجلت في جريمة حاوية الخمس في يونيو 2011، حيث احتُجز عشرات الشباب داخل حاويات معدنية مغلقة تحت الشمس الحارقة حتى قضوا اختناقاً. ومع اقتراب الثوار من تحرير طرابلس في أغسطس، ارتكبت كتائب النظام محرقة سجن اليرموك، حيث أُلقيت القنابل اليدوية وأُضرمت النيران في عشرات الأسرى المدنيين ليتفحموا في إبادة جماعية موثقة، ترافق ذلك مع استخدام المرتزقة الأجانب وتجويع المدن المحاصرة.
ختاماً إن سجل الجرائم والانتهاكات ضد المواطنين في ليبيا لا يزال مستمراً بأيدي من توارثوا نهج الاستبداد، وحكموا البلاد بالحديد والنار وسلطة الأمر الواقع. إن التذكير اليوم بجرائم نظام القذافي وحقبته المظلمة ليس مجرد سرد لتاريخ مضى، بل هو صرخة تحذير وعبرة بليغة لكل المجرمين والطغاة، أينما كانوا وتحت أي مسمى حكموا؛ بأن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن نهاية كل استبداد، مهما طال أمده وتجبر، هي السقوط والمحاسبة.
رحم الله عمران شعبان، وكل من قدّموا أرواحهم في سبيل قضية عادلة لم تتحقق أهدافها كاملةً حتى اليوم. ويبقى الوفاء لتضحياتهم مرتبطًا بالعمل من أجل #ليبيا_حرة، تقوم على سيادة القانون، والتداول السلمي على السلطة، وصون كرامة الإنسان، ورفض القمع والاستبداد بكل أشكالهما.
#ليبيا #سجل_الاستبداد #مقتل_القذافي #ثورة_17_فبراير #ثورة_مستمرة
