
تقرير Townhall يربط التحول في موقف مجلس النواب الليبي بشأن الاتفاقية البحرية مع أنقرة بمصالح الولايات المتحدة في شرق المتوسط، ويثير تساؤلات حول دور صدام حفتر في تمرير الاتفاقية ومستقبل العلاقات الأمريكية مع عائلة حفتر.
نشر الكاتب الأمريكي براد بارسكيل (Brad Parscale)، في 20 أكتوبر 2026، مقال رأي في صحيفة Townhall الأمريكية بعنوان «روبيو دعم اليونان.. وحفتر منح تركيا انتصارًا» (Rubio Backed Greece. Haftar Handed Turkey a Victory)، تناول فيه التداعيات الجيوسياسية لموافقة مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، بعد سنوات من رفضها.
ويرى بارسكيل أن هذه الخطوة تمثل تحولًا سياسيًا مهمًا في مواقف القوى المرتبطة بخليفة حفتر، وقد تمنح أنقرة دعمًا إضافيًا في نزاعها البحري مع اليونان، بما ينعكس على مصالح واشنطن وشركائها في شرق البحر المتوسط.
ويدعو الكاتب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة تقييم علاقتها بخليفة حفتر ونجله صدام، مؤكدًا أن التعاون الأمني والسياسي معهما لا ينبغي أن يحول دون مساءلتهما بشأن القرارات التي قد تتعارض مع المصالح الأمريكية.
المصدر الأصلي: مقال براد بارسكيل في صحيفة Townhall
أولًا: موافقة مجلس النواب تعيد رسم الموقف الليبي من أنقرة
صوّت مجلس النواب الليبي، خلال جلسة عقدها في 20 أكتوبر 2026، بالإجماع على الموافقة على مذكرة التفاهم المتعلقة بتحديد مناطق الاختصاص البحري بين ليبيا وتركيا في البحر المتوسط، والموقعة في 27 نوفمبر 2019 بين حكومة الوفاق الوطني الليبية والحكومة التركية آنذاك.
وشمل القرار إلغاء قراري المجلس الصادرين عام 2020، اللذين رفض أحدهما التصديق على مذكرتي التفاهم الموقعتين مع تركيا، فيما دعا الآخر إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ويمثل هذا القرار تحولًا واضحًا عن موقف المجلس السابق، خصوصًا أن الاتفاقية كانت محل خلاف بين السلطات الليبية في الشرق والغرب، فضلًا عن اعتراضات إقليمية ودولية تتعلق بترسيم الحدود البحرية وحقوق الدول الأخرى في شرق المتوسط.
وبحسب وكالة الأنباء الليبية، أعلن المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، أن الموافقة على المذكرة وإلغاء القرارات السابقة جرى بالإجماع.
ويرى بارسكيل أن أهمية القرار لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين ليبيا وتركيا، بل تمتد إلى ميزان القوى في شرق المتوسط، حيث تتداخل ملفات السيادة البحرية واستكشاف موارد الطاقة ومشروعات الربط الكهربائي بين الدول.
المصدر: وكالة الأنباء الليبية – تفاصيل قرار مجلس النواب
ثانيًا: لماذا يرى الكاتب أن القرار يمثل مكسبًا لتركيا؟
يربط بارسكيل بين موافقة مجلس النواب الليبي والجهود التركية الرامية إلى تثبيت مطالب أنقرة البحرية في منطقة شرق المتوسط، حيث تتعارض هذه المطالب مع المواقف اليونانية والقبرصية.
وتستند الاتفاقية الليبية التركية إلى تحديد مناطق الاختصاص البحري بين البلدين وفق إحداثيات جغرافية محددة، بما يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
وتقول أنقرة إن الاتفاقية تحفظ حقوق الطرفين ومصالحهما، بينما تعترض اليونان على أساسها القانوني، معتبرة أنها تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية.
وفي 20 أكتوبر، رفضت وزارة الخارجية اليونانية موافقة مجلس النواب الليبي، وقالت إن الخطوة لا تغير، من وجهة نظر أثينا، ما تصفه بعدم قانونية الاتفاقية وبطلانها. كما ترى اليونان أن الاتفاق لا يستند إلى أساس قانوني سليم لترسيم المناطق البحرية بين البلدين.
ومن هنا، يعتبر بارسكيل أن موافقة مجلس النواب الليبي تمنح تركيا دعمًا سياسيًا إضافيًا في مواجهة اليونان، حتى وإن كانت هذه الموافقة لا تحسم وحدها النزاع القانوني حول الحدود البحرية.
وبعبارة أخرى، فإن جوهر الحجة التي يقدمها الكاتب هو أن التحول في الموقف الليبي قد يعزز قدرة أنقرة على التمسك بمطالبها، ويزيد الضغوط السياسية على الأطراف التي تعارض الاتفاقية.
المصدر: رويترز – موافقة البرلمان الليبي واعتراض اليونان
ثالثًا: مشروع الكابل الكهربائي بين أوروبا وقبرص وإسرائيل
يخصص المقال جانبًا مهمًا للتداعيات المحتملة للاتفاقية على مشروع الربط الكهربائي البحري المعروف باسم «غريت سي إنتركونكتور» (Great Sea Interconnector).
ويهدف المشروع إلى ربط الشبكات الكهربائية في أوروبا وقبرص، مع امتداد مخطط إلى إسرائيل، بما يتيح تعزيز الربط بين أسواق الطاقة وتوسيع خيارات الإمداد الكهربائي في المنطقة.
ووفق تقرير نشرته رويترز في 15 أكتوبر 2026، تبلغ التكلفة المقدرة للمشروع نحو 1.9 مليار يورو، وقد واجه تأخيرات مرتبطة بالخلافات البحرية بين تركيا واليونان.
وتتمسك تركيا بأن أعمال المسح البحري في بعض المناطق التي يمر بها مسار الكابل تتطلب التنسيق معها، مستندة إلى الاتفاقية البحرية الموقعة مع ليبيا عام 2019. في المقابل، ترفض اليونان هذا الموقف، وتعتبر أن المشروع يقع ضمن حقوقها ومصالحها البحرية.
ويشير بارسكيل إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعلن دعم واشنطن للمشروع، باعتباره جزءًا من الجهود الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد.
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن موافقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية قد تعزز الموقف التركي في الخلاف المتعلق بأعمال المسح البحري، بما يهدد بزيادة التعقيدات السياسية أمام المشروع.
لكن هذه النتيجة تظل تحليلًا لتداعيات محتملة، وليست دليلًا على أن المشروع سيتوقف بالضرورة نتيجة القرار الليبي. فالتأثير الفعلي يتوقف على تطورات الخلاف القانوني والدبلوماسي، وعلى قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى ترتيبات تسمح باستكمال الأعمال.
المصدر: رويترز – تطورات مشروع الكابل الكهربائي في شرق المتوسط
رابعًا: صدام حفتر وعقيلة صالح.. ماذا يقول المقال عن كواليس القرار؟
يتناول المقال تطورات داخل مجلس النواب الليبي سبقت التصويت على الاتفاقية، ويشير إلى تغيير رئاسة المجلس وإزاحة عقيلة صالح من موقعه، معتبرًا أن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن الظروف السياسية التي سبقت الموافقة على الاتفاقية.
وينقل بارسكيل عن صحيفة «بروتو ثيما» اليونانية تقارير تزعم أن صدام حفتر دفع باتجاه إزاحة عقيلة صالح بعد مقاومة الأخير طرح الاتفاقية البحرية للتصويت.
كما يشير المقال إلى مزاعم بشأن ممارسة تركيا ضغوطًا على معسكر حفتر، من خلال التلويح بسحب الاستثمارات وزيادة الدعم العسكري لخصومه.
ويستخدم الكاتب هذه التقارير لطرح تساؤل حول ما إذا كانت التحولات داخل معسكر الشرق الليبي قد ساهمت في تهيئة الطريق أمام الاتفاقية، التي يرى أنها تخدم المصالح التركية في شرق المتوسط.
لكن من الضروري التأكيد أن هذه المزاعم، المتعلقة بدور صدام حفتر في إزاحة عقيلة صالح وبطبيعة الضغوط التركية المزعومة، وردت في سياق تقارير نقلها كاتب المقال، ولا تكفي المعلومات المنشورة في المقال وحدها لإثباتها بصورة مستقلة.
أما الموافقة البرلمانية على الاتفاقية وإلغاء قرارات عام 2020، فهما قراران معلنان يمكن التحقق منهما من خلال البيانات الرسمية والتغطيات الإخبارية.
وبالتالي، ينبغي الفصل بين الوقائع المتعلقة بالتصويت والتغييرات السياسية المعلنة، وبين التفسيرات المتعلقة بالدوافع والضغوط التي ربما أحاطت بهما.
خامسًا: موقف صدام حفتر المعلن من الاتفاقية
في سياق متصل، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، رحّب بالخطوة، واعتبرها تحركًا لتجاوز الخلافات السابقة، مشيرًا إلى أهمية الاتفاقية في حماية المصالح الاقتصادية الليبية في البحر المتوسط.
كما وصفت السلطات في غرب ليبيا التصويت بأنه تطور إيجابي في العلاقات مع تركيا، مع التأكيد على أن التعاون ينبغي أن يجري وفق القواعد والمبادئ ذات الصلة بالقانون الدولي.
ويكشف تزامن المواقف الصادرة من شخصيات وسلطات في شرق البلاد وغربها عن تقاطع سياسي بشأن الاتفاقية، رغم استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي في ليبيا.
لكن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تطابق حسابات الأطراف الليبية أو اتفاقها على جميع أبعاد العلاقة مع أنقرة؛ فالمواقف المعلنة بشأن الاتفاقية لا تكفي وحدها لتحديد طبيعة التفاهمات السياسية والأمنية الأوسع.
المصدر: وكالة أسوشيتد برس – المواقف الليبية من الاتفاقية البحرية
سادسًا: رسالة إلى إدارة ترامب.. هل تتعارض العلاقة مع حفتر مع المصالح الأمريكية؟
يمثل هذا الجانب جوهر الرسالة السياسية التي يريد بارسكيل إيصالها إلى واشنطن.
فالكاتب لا يدعو إلى إنهاء العلاقة مع خليفة حفتر ونجله صدام بصورة تلقائية، بل يطالب الإدارة الأمريكية بتقييم هذه العلاقة على أساس نتائجها ومدى توافقها مع الأهداف الأمريكية.
ويقر المقال بأن هناك أسبابًا دفعت مسؤولين أمريكيين إلى التواصل مع عائلة حفتر، من بينها التعاون في ملفات أمنية وقضايا مرتبطة بالاستقرار في ليبيا.
لكنه يحذر من اعتبار اللقاءات السياسية أو التعاون في ملف معين دليلًا كافيًا على تطابق المصالح في ملفات أخرى.
ويطالب الكاتب واشنطن بتوضيح موقفها من الاتفاقية البحرية، والتمسك بدعم شركائها في المشروعات القانونية المتعلقة بالطاقة، ومطالبة معسكر حفتر بتفسير موقفه من التحول الذي شهدته سياسة مجلس النواب تجاه تركيا.
وتعكس هذه الدعوة وجهة نظر الكاتب بشأن كيفية إدارة العلاقات الأمريكية مع القوى الليبية، ولا تمثل إعلانًا عن تغيير رسمي في سياسة واشنطن.
كما أن عنوان المقال، الذي يقارن بين دعم روبيو لليونان والخطوة التي اتخذها مجلس النواب الليبي، يعبر عن استنتاج سياسي يتبناه بارسكيل، وليس توصيفًا رسميًا صادرًا عن الحكومة الأمريكية.
سابعًا: ما التداعيات المحتملة على ليبيا؟
تتجاوز أهمية الاتفاقية الخلاف البحري بين تركيا واليونان، إذ ترتبط أيضًا بموقع ليبيا في التنافس الإقليمي على الموارد الطبيعية وممرات الطاقة والنفوذ العسكري والسياسي في البحر المتوسط.
ويمكن قراءة التطور الأخير من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
1. تعزيز العلاقات الليبية التركية: قد تفتح موافقة مجلس النواب الباب أمام توسيع التعاون السياسي والاقتصادي مع أنقرة، وتقلص أحد أبرز مصادر الخلاف بين تركيا والسلطات المرتبطة بمعسكر الشرق الليبي.
2. تصاعد التوتر مع اليونان وقبرص: من المرجح أن يستمر الخلاف بشأن الأساس القانوني للاتفاقية وحقوق الدول الأخرى، وهو ما قد ينعكس على العلاقات الدبلوماسية ومشروعات الطاقة الإقليمية.
3. زيادة أهمية الموقف الليبي في الحسابات الدولية: يعيد القرار التأكيد على أن التحولات السياسية داخل ليبيا لا تقتصر آثارها على المشهد الداخلي، بل يمكن أن تؤثر في ملفات إقليمية تتعلق بأمن الطاقة والتحالفات الدولية وترسيم الحدود البحرية.
ومع ذلك، فإن تحديد الأثر الفعلي للقرار يتطلب متابعة الإجراءات القانونية والدبلوماسية التي ستليه، إلى جانب طبيعة التعاون الليبي التركي خلال المرحلة المقبلة.
خلاصة التقرير
يقدم مقال براد بارسكيل في Townhall قراءة أمريكية للقرار الذي اتخذه مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر 2026، ويربطه بالتنافس بين تركيا واليونان في شرق المتوسط، وبمصالح الولايات المتحدة في مشروع الربط الكهربائي بين أوروبا وقبرص وإسرائيل.
وتتمثل الفكرة الأساسية للمقال في أن التقارب الأمريكي مع عائلة حفتر لا يضمن بالضرورة توافق جميع قراراتها مع مصالح واشنطن وشركائها الإقليميين.
وفي المقابل، تبقى مزاعم التدخلات والضغوط التي سبقت التصويت بحاجة إلى تحقق مستقل، كما أن التقييم القانوني للاتفاقية يظل موضع خلاف بين الأطراف المعنية.
ومن المهم الإشارة إلى أن المقال منشور في قسم الرأي بصحيفة Townhall، وأن الآراء الواردة فيه تعبر عن الكاتب، ولا تمثل بالضرورة موقف الصحيفة المؤسسي أو الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية.
مصادر أساسية للتقرير
- المقال الأصلي: Townhall – Rubio Backed Greece. Haftar Handed Turkey a Victory
- قرار مجلس النواب الليبي: وكالة الأنباء الليبية
- تغطية رويترز للاعتراض اليوناني: رويترز
- خلفية مشروع الربط الكهربائي: رويترز – مشروع Great Sea Interconnector
