بعثة الأمم المتحدة تدين محاولة فرض تعيين متنازع عليه بالقوة، وتطالب بانسحاب العناصر المسلحة من مقر الديوان. ووثيقة موقعة من محمد تكالة تكشف تفاصيل التكليف المؤقت إلى حين التوافق مع مجلس النواب بشأن المناصب السيادية.

طرابلس – تقرير صحفي

تصاعدت أزمة ديوان المحاسبة في العاصمة الليبية طرابلس، عقب دخول مجموعة مسلحة إلى مقر المؤسسة في محاولة لتمكين أنور الهوش من مباشرة مهامه وكيلاً للديوان، وسط اعتراضات على إجراءات التكليف، ومطالبات بمراجعتها، وإدانة صريحة من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لاستخدام القوة والترهيب لفرض التعيينات داخل المؤسسات السيادية.

وفي تطور يضيف بعداً جديداً إلى القضية، كشفت وثيقة مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، وموقعة من رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، عن تكليف أنور الهوش بمهام وكيل ديوان المحاسبة إلى حين التوصل إلى توافق مع مجلس النواب بشأن تسمية رؤساء ووكلاء المناصب السيادية واستكمال الإجراءات القانونية ذات الصلة.

وتثير الوثيقة تساؤلات بشأن الأساس القانوني للتكليف، وحدود صلاحيات الجهة التي أصدرته، ومدى استيفاء الإجراءات اللازمة لتولي المنصب، خصوصاً في ظل الخلاف بشأن التعيين والاعتراضات على الطريقة التي جرت بها محاولة تمكين الهوش داخل مقر الديوان.

وبين وجود مراسلة رسمية تتعلق بالتكليف، والجدل حول قانونيته، والاتهامات باستخدام القوة لفرضه، تتداخل ثلاثة ملفات رئيسية: صلاحية القرار، واستقلال المؤسسة الرقابية، ومسؤولية الجهات المعنية عن حماية مؤسسات الدولة من التدخل المسلح.

أولاً: وثيقة تكالة.. ماذا تقول بشأن تكليف أنور الهوش؟

تُظهر الوثيقة المرفقة، الصادرة عن المجلس الأعلى للدولة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، توجيهاً بشأن تكليف أنور الهوش بمهام وكيل ديوان المحاسبة.

وبحسب النص الظاهر في الوثيقة، جاء التكليف إلى حين التوصل إلى توافق مع مجلس النواب بشأن تسمية رؤساء ووكلاء المناصب السيادية واستكمال الإجراءات القانونية ذات الصلة.

كما تتضمن المراسلة تكليف لجنة بتسليم المهام إلى وكيل الديوان المكلف، على أن تقدم تقريراً إلى رئيس المجلس فور انتهاء اللجنة من عملها.

ويكشف مضمون الوثيقة أن التكليف، وفق الصياغة الواردة فيها، مرتبط بمرحلة انتظار التوافق بشأن المناصب السيادية، وليس بالضرورة تعييناً نهائياً منفصلاً عن ذلك المسار.

لكن الوثيقة، على أهميتها، لا تحسم وحدها مدى قانونية الإجراء؛ إذ يتطلب ذلك التحقق من الاختصاصات المقررة للجهة التي أصدرت التكليف، والقواعد المنظمة لتولي منصب وكيل ديوان المحاسبة، ومدى استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة.

كما لا تثبت المراسلة، بمفردها، أن لجنة التسليم باشرت عملها فعلياً أو أن إجراءات تسليم المهام قد اكتملت.

ثانياً: اقتحام مقر الديوان.. خلاف إداري يتحول إلى أزمة أمنية

بحسب المعلومات الواردة من مصادر داخل ديوان المحاسبة، دخلت مجموعة مسلحة إلى مقر المؤسسة في طرابلس صباح الأربعاء، وقيل إنها تابعة لمحمود حمزة، بهدف تمكين أنور الهوش من مباشرة مهامه وكيلاً للديوان.

وأفادت المصادر بأن موظفين داخل المؤسسة اعترضوا على دخول المجموعة بهذه الطريقة، معتبرين أن فرض ترتيبات إدارية بالقوة لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإجراءات الرسمية اللازمة لتولي المناصب العامة.

كما ذكرت مصادر داخل الديوان أن الهوش دخل أحد مكاتب المؤسسة، لكنها نفت تسلّمه مهامه بصورة رسمية، معتبرة أن وجوده داخل المبنى لا يثبت إتمام إجراءات التسليم والتسلّم أو اكتساب الصفة الوظيفية قانوناً.

وتظل هذه التفاصيل بحاجة إلى التحقق المستقل، بما في ذلك هوية المجموعة المسلحة، والجهة التي أصدرت إليها التعليمات، وما إذا كانت إجراءات التسليم الواردة في الوثيقة قد نُفذت فعلياً.

وفي جميع الأحوال، فإن وجود تكليف مكتوب، حتى مع ثبوت صدوره، لا يثبت بذاته أن استخدام القوة وقع بأمر من الجهة التي أصدرته أو بموافقتها؛ فهذه مسألة منفصلة تتطلب تحقيقاً وأدلة مستقلة.

ثالثاً: إدانة أممية صريحة لاستخدام القوة والترهيب

في تطور بارز، أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بياناً أدانت فيه، بأشد العبارات، استخدام القوة والترهيب داخل مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لفرض تعيين متنازع عليه لوكيل رئيس الديوان.

وأكدت البعثة أن اللجوء إلى القوة لفرض التعيينات داخل المؤسسات السيادية أمر مرفوض تماماً، ويشكل تهديداً خطيراً لسيادة القانون ونزاهة المؤسسات السيادية واستقلاليتها.

ولم تقتصر الإدانة على واقعة استخدام القوة، بل ربطت البعثة ما حدث بالمخاطر التي تهدد استقلال المؤسسات الرقابية وقدرتها على أداء مهامها.

وأشارت إلى أن ديوان المحاسبة مؤسسة رقابية مستقلة تضطلع بمهمة حماية المال العام وضمان المساءلة في إدارة موارد الدولة، محذرة من أن محاولة فرض تغييرات قيادية داخل المؤسسة عبر الترهيب لن تؤدي إلا إلى مزيد من تآكل الثقة العامة وتعقيد قدرة الديوان على أداء مهامه باستقلالية وفاعلية.

وطالبت البعثة بالوقف الفوري لكافة أشكال التدخل المسلح في شؤون الديوان، والانسحاب العاجل للعناصر المسلحة من مقره.

كما دعت الأطراف المعنية إلى تسوية النزاعات المتعلقة بالتعيينات في المؤسسات السيادية عبر القنوات القانونية والمؤسسية المعتمدة، وفقاً للتشريعات الليبية النافذة وأحكام ومبادئ الاتفاق السياسي الليبي.

ويعكس هذا الموقف رفضاً واضحاً لاستخدام القوة لفرض التعيينات، لكنه لا يمثل حكماً قضائياً في مدى قانونية التكليف نفسه، وهي مسألة تتطلب فحص الوثائق والاختصاصات القانونية ذات الصلة.

رابعاً: المجلس الأعلى للدولة.. خلاف بشأن الإجراءات والاختصاصات

ترافقت الأزمة مع اعتراضات بشأن الإجراءات المتبعة في تكليف الهوش، إذ وردت معلومات عن مراسلة منسوبة إلى النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة، ناجي مختار، أكد فيها أن رئاسة المجلس لم تكن على علم بالتكليف، وطالب بعدم الاعتداد بالمراسلة المنسوبة إلى المجلس إلى حين التحقق من صحتها واستيفائها الإجراءات المؤسسية المطلوبة.

ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن طبيعة الخلاف داخل المجلس، وما إذا كان يتعلق بصحة المراسلة، أو بالإجراءات التي سبقت إصدارها، أو بالاختصاصات المتعلقة بتكليف شاغلي المناصب السيادية.

وفي هذا السياق، طالب المجلس الأعلى للدولة، وفق المعلومات الواردة، بالتراجع عن تكليف وكيل ديوان المحاسبة وإعادة النظر في الإجراءات المتخذة بشأنه.

لكن من الضروري التمييز بين المطالبة بسحب التكليف وإلغائه فعلياً؛ فالمطالبة بمراجعة القرار لا تعني بالضرورة أن القرار أُلغي أو أن آثاره القانونية انتهت.

ويظل تحديد الوضع القانوني للتكليف مرتبطاً بفحص الوثائق الأصلية، والتحقق من الجهة المختصة، والاطلاع على أي قرارات أو مراسلات لاحقة بشأنه.

خامساً: هل تحسم الوثيقة الجدل بشأن قانونية التكليف؟

تثبت الوثيقة المصورة وجود مراسلة تتعلق بتكليف أنور الهوش بمهام وكيل ديوان المحاسبة، وتوضح أن التكليف، وفق نصها، مرتبط بالتوصل إلى توافق مع مجلس النواب بشأن تسمية رؤساء ووكلاء المناصب السيادية واستكمال الإجراءات القانونية.

لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن السؤال الأهم: هل كانت الجهة التي أصدرت التكليف مخولة قانوناً باتخاذ هذا الإجراء بهذه الصيغة؟

للإجابة عن ذلك، ينبغي التحقق من عدة مسائل:

  • الاختصاص القانوني: ما الجهة التي يمنحها القانون صلاحية تكليف وكيل ديوان المحاسبة؟
  • طبيعة التكليف: هل يسمح الإطار القانوني بتكليف مؤقت إلى حين التوافق، أم يشترط إجراءات محددة لا يمكن تجاوزها؟
  • الإجراءات المطلوبة: هل استُوفيت الشروط والموافقات اللازمة لشغل المنصب؟
  • التنفيذ الفعلي: هل شُكلت لجنة التسليم الواردة في الوثيقة، وهل باشرت عملها وأتمت الإجراءات؟
  • الموقف المؤسسي: ما موقف مجلس النواب والجهات المعنية رسمياً من التكليف؟

ومن دون التحقق من هذه المسائل، سيكون من غير الدقيق الجزم بأن الوثيقة تثبت قانونية التكليف أو بطلانه.

سادساً: لماذا يمثل استقلال ديوان المحاسبة أهمية خاصة؟

تتجاوز أهمية الأزمة مسألة تعيين وكيل جديد، بالنظر إلى طبيعة ديوان المحاسبة باعتباره مؤسسة رقابية تتصل مهامها بمراجعة الإنفاق العام ومراقبة أداء الجهات الخاضعة لرقابته.

وأي نزاع يؤثر في استقلال قيادة المؤسسة أو قدرتها على العمل يثير مخاوف بشأن سلامة الرقابة على الموارد العامة، وقدرة الديوان على أداء مهامه بعيداً عن الضغوط السياسية أو المسلحة.

ومن هنا، جاءت تحذيرات البعثة الأممية من أن فرض تغييرات قيادية داخل المؤسسات السيادية باستخدام القوة يمثل تهديداً لسيادة القانون ونزاهة المؤسسات واستقلاليتها.

وتتعلق المسألة، بالتالي، بمبدأ مؤسسي أوسع: ضرورة أن تتم التعيينات وفق القواعد القانونية، وأن تُحسم الخلافات بشأنها عبر المؤسسات المختصة، وألا تتحول السيطرة الميدانية على مقار الدولة إلى وسيلة لحسم النزاعات الإدارية.

سابعاً: الحكومة أمام تساؤلات بشأن حماية المؤسسات العامة

تطرح الواقعة تساؤلات بشأن مسؤولية الجهات الأمنية والتنفيذية عن حماية مقر ديوان المحاسبة وضمان استمرار عمله بعيداً عن التدخلات المسلحة.

وتشمل هذه التساؤلات كيفية دخول المجموعة المسلحة إلى المقر، والإجراءات التي اتُّخذت لمنع التصعيد، والجهات المسؤولة عن تأمين المؤسسة والتحقيق في ملابسات الحادثة.

كما تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي بشأن ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع داخل المؤسسات العامة.

وتواجه حكومة الوحدة الوطنية، في هذا السياق، تساؤلات بشأن الإجراءات التي اتُّخذت لحماية مقر المؤسسة، خصوصاً في ضوء مطالبة البعثة الأممية بانسحاب العناصر المسلحة ووقف التدخل في شؤون الديوان.

ولم تتضمن المعلومات المتاحة لهذا التقرير رداً رسمياً موثقاً من الحكومة بشأن الواقعة، لذلك لا يمكن الجزم بموقفها أو بالإجراءات التي ربما اتخذتها.

ثامناً: أزمة تكشف تداخل السياسة والقانون والسلاح

تكشف تطورات ديوان المحاسبة عن تداخل ثلاثة ملفات رئيسية في المشهد الليبي:

أولاً، الخلاف القانوني: ويتعلق بالجهة المختصة بتكليف وكيل الديوان، والإجراءات الواجب اتباعها لشغل المنصب.

ثانياً، الخلاف المؤسسي والسياسي: ويتمثل في الاعتراضات على التكليف والمطالبات بمراجعته، في ظل الحديث عن ضرورة التوافق مع مجلس النواب بشأن المناصب السيادية.

ثالثاً، الجانب الأمني: ويتعلق بالروايات عن دخول مجموعة مسلحة إلى مقر الديوان، وما أثارته من إدانة أممية ومطالبات بالانسحاب الفوري.

ورغم ترابط هذه الملفات، فإن كل واحد منها يحتاج إلى معالجة مستقلة: فالخلاف القانوني يُحسم بالرجوع إلى التشريعات والجهات المختصة، بينما تتطلب واقعة استخدام القوة تحقيقاً يحدد ملابساتها والمسؤوليات عنها.

أما حماية استقلال المؤسسة الرقابية، فتقتضي ضمان استمرار عملها وفق القانون، بعيداً عن أي ضغوط تحول دون ممارسة اختصاصاتها.

الخلاصة: وثيقة تكليف وإدانة أممية.. فمن يحسم أزمة ديوان المحاسبة؟

تضع أزمة ديوان المحاسبة في طرابلس المؤسسات الليبية أمام اختبار يتعلق بمدى الالتزام بالقانون في إدارة المناصب السيادية، وحماية المؤسسات الرقابية من التدخل المسلح.

فالوثيقة الموقعة من رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة تكشف عن تكليف أنور الهوش بمهام وكيل الديوان إلى حين التوصل إلى توافق مع مجلس النواب واستكمال الإجراءات القانونية ذات الصلة، لكنها لا تحسم وحدها مدى قانونية التكليف أو تثبت اكتمال إجراءات تسليم المهام.

وفي المقابل، أدانت بعثة الأمم المتحدة استخدام القوة والترهيب لفرض تعيين متنازع عليه، وطالبت بوقف التدخل المسلح والانسحاب العاجل للعناصر المسلحة من مقر الديوان، محذرة من تهديد استقلال المؤسسات السيادية والرقابة على المال العام.

وبين الوثيقة والاعتراضات المؤسسية والموقف الأممي، يبقى الحسم مرهوناً بالتحقق من الأساس القانوني للتكليف، وتوضيح ملابسات دخول المجموعة المسلحة، وتحديد المسؤوليات، وضمان احترام استقلال ديوان المحاسبة.

ويبقى السؤال الأبرز: هل يُحسم الخلاف بشأن وكيل ديوان المحاسبة عبر الإجراءات القانونية والتوافق المؤسسي، أم يستمر النزاع بما يهدد استقلال واحدة من أهم المؤسسات الرقابية في ليبيا؟