
أتذكر أن وزير المالية في حكومة الدكتور #عبدالرحيم_الكيب رحمه الله.. الأستاذ #حسن_زقلام.. طلب من رئيس المجلس الوطني الانتقالي #مصطفى_عبدالجليل أن يرسل إليه أحد أعضاء المجلس لأمر مهم.. فطلب مني المستشار أن أذهب إليه.
وجدت الأستاذ حسن واقفًا خلف كرسي مكتبه في طريق السكة أمام مبنى الحكومة.. والرجل كان صاحب دمعة سهلة.
قال لي: انظر يا عبدالرزاق إلى هذه القوائم.
كانت قوائم منح الثوار…
نظرت إليها ولم أفهم في البداية ماذا يريدني أن أرى.. فقال لي إن الصفحة الأولى فقط تختلف في كل مجموعة.. أما بقية الصفحات فهي نفسها متكررة.. نسخ ولصق.. مع تخصيص بعض الأسماء بمبالغ كبيرة مدسوسة تتكرر في أكثر من خانة.

نظر إلي والدمعة في عينه وقال لي بالحرف الواحد:
«أقسم لك بالله يا عبدالرزاق.. طلعني من هذه الورطة.. نتنازل لك على نصف ما أملك».
كان يقصد أن يترك الوزارة وينجو من هذا العبث.
وفي واقعة أخرى.. عندما كُلفت بملف #بني_وليد حدثني الشيخ #محمد_البرغوثي رحمه الله عن انتهاكات لحرمات بعض البيوت ارتكبها أدعياء انتسبوا إلى الثورة عندما دخلوا مدينة بني وليد..
وفي #طرابلس أيضًا دخلوا البيوت وانتهكوا حرمتها واستباحوا وسرقوا محتوياتها لصالحهم بحجة أن أصحابها كانوا جزءًا من النظام السابق.
ناهيك عن مؤسسات الدولة التي سُرقت مخازنها.. ولن أنسى مقدمًا في الدفاع المدني.. أظن أن لقبه المقدمي إن كنت ما زلت أذكر.. كاد يبكي على سرقة سُلّم مخصص للعمارات العالية ويقول لي: يا أستاذ عبدالرزاق.. لقد تعبنا حتى أقنعنا الجهات المسؤولة بتوريده.. وهكذا دواليك..

ثم كانت هناك جريمة لم ندرك حينها أنها جريمة.. ولا نعلم حتى اليوم حجمها الحقيقي وأبعادها.
هناك من استولى على جزء من ذاكرة الشعب الليبي.. وثائق ومستندات وأرشيفات اختفت في الفوضى. وإلى اليوم لا نعرف أين هي ولا إلى أين انتهى أمرها.. ومن استفاد منها.. وهل بقيت داخل #ليبيا أم خرجت منها أم بيعت بدراهم معدودة.. خيانة للأمانة وللوطن والتاريخ.
من هؤلاء؟ وعلى ماذا تربوا؟ وكيف تربوا؟
ليس المقصود تعليق كل شيء على النظام السابق لمجرد أنهم تربيته وحصاده ونشأوا في ظله.. فالإنسان مسؤول عن أفعاله. لكن المؤكد أن من ينتهك حرمة بيتٍ أو يسرق مالًا أو ينهب وثيقة وطنية أو يتاجر بتضحيات الآخرين.. لا يحمل أخلاقًا ولا همَّ وطن مهما بلغ ومهما رفع من شعارات.
ولا ينبغي أصلًا أن نسمي هؤلاء ثوارًا..
فالثورة قيمة قبل أن تكون بندقية.. والقيمة لا يحملها نذل ولا لص ولا مجرم.
بعد سنوات من الثورات لا تعود أهم الأسئلة: لماذا ثار الناس؟ ولماذا سقط النظام؟ بل يصبح السؤال الأصعب: ماذا حدث بعد أن سقط؟ وأين بدأ الانحراف؟
إسقاط النظام أسهل بكثير من بناء الدولة.. وأخطر ما يهدد الثورة أولئك الذين يتسللون إليها بعد انتصارها.. فيحوّلون التضحية إلى استحقاق والاستحقاق إلى امتياز والامتياز إلى مال ونفوذ وسلطة.
وأخطر من هؤلاء.. أن يراهم الآخرون ويحسبوا انحرافاتهم صغيرة أمام حجم التغيير الكبير.
وأنا كنت واحدًا ممن أخطأوا في ذلك التقدير.
لكن بعد كل هذه السنوات لا يكفيني أن أسأل: ماذا فعل هؤلاء؟
السؤال الذي أوجهه إلى نفسي أشد قسوة:
ماذا فعلنا نحن عندما رأينا البدايات؟
لماذا هوّنتُ أنا من بعض هذه الوقائع؟ لماذا لم يكن لي موقف أعلى صوتًا وأشد أثرًا؟ ولماذا لم أترك المشهد مبكرًا احتجاجًا عليها؟ نعم تقدمت باستقالتي ولم تُقبل.. وعندي ما أقول ولكن الحقيقة..
أنني مثل كثيرين كنت أرى هذه الانحرافات صغيرة أمام التغيير الكبير الذي حدث.. وأظن أن الدولة ستستقر لاحقًا فتلفظ السيئ وتصحح أخطاءها.
وهنا كان الخطأ.

تجارب البشر تقول شيئًا آخر: الانحراف الذي لا توقفه في بدايته لا يبقى صغيرًا.. بل يكبر ويتعلم صاحبه ويتنظم ويجمع المال والسلاح والأنصار.. ثم يصبح جزءًا من النظام الجديد.
والمشكلة لم تكن فقط أن الانحراف بدأ مبكرًا.. بل إنه مر في كثير من الأحيان بلا حساب. وما يمر بلا حساب اليوم قد يتحول غدًا إلى حق مكتسب.. وبعد غد إلى قوة تدافع عن نفسها.
عندما تضعف المؤسسات بعد الثورات تتقدم شبكات المصالح لملء الفراغ.. وعندما تصبح #الثورية مصدرًا للمال أو الوظيفة أو النفوذ سيظهر من يدّعيها.. وعندما تمر الجريمة الأولى بلا حساب تصبح الثانية أسهل.. ثم يأتي يوم يصبح فيه المجرم صاحب شرعية ويصبح الاعتراض عليه هو الاستثناء.
وكانت #السذاجة.. وأنا لست خارجها.. سمة غالبة في ممارسة السياسة وتفسيرها عند كثير ممن تصدى لها.. بينما كان الطمع سيد كثير من القرارات والمواقف.

وسأفتح يومًا.. إن كان في العمر بقية.. ملف بعض القرارات التي صدرت باسم #المجلس_الوطني_الانتقالي بعيدًا عن المجلس نفسه.. قرارات لا تعرف وأنت تقرؤها أتضحك أم تبكي. بعضها لم أسمع به أصلًا إلا بعد انتهاء فترة المجلس.. وحرصت لاحقًا على الحصول على نسخة منها والاحتفاظ بها.. واستفدت منها في توثيق أجزاء كثيرة من المرحلة.
وهذه أيضًا من دروس تلك المرحلة.. فالدولة لا تُهدم فقط بقرار سيئ.. وإنما كذلك عندما تصدر القرارات باسم مؤسسات لا تعلم بها.. أو تمر الأمور لأن الجميع مشغول بما يراه “المعركة الأكبر”.. بينما تتراكم في الهامش أخطاء ستصبح لاحقًا جزءًا من المتن.
هذا في تقديري أحد أهم مفاتيح فهم ما حدث.
تقدم المجرم خطوة بعد خطوة.. مرة بسكوتنا ومرة بسذاجتنا ومرة بتهويننا من حجم الخطر.. حتى أصبح جزءًا من المشهد.
ومع مرور الزمن غسل المجرم تاريخه.. لبس ربطة العنق.. امتلك المال والإعلام والسلاح.. ثم وجد من يبرر له ومن يتحالف معه ومن يمنحه الشرعية التي لم يكن يحلم بها.
حتى أصبح بعض من كان ينبغي أن يُسأل: من أين لك هذا؟ وماذا فعلت؟ ومن ظلمت؟ ومن قتلت؟ ومن سرقت؟..
يُقدَّم اليوم باعتباره رجل دولة قادرًا على إنقاذها.
وهنا أتذكر ما قلته سابقًا.. قال لي شاب ليبي ولد وترعرع في بريطانيا وجاء للمشاركة في الثورة.. قال لي يومها: «عمو.. أخشى ما أخشاه أن يسيطر تجار #المخدرات على مقاليد الحكم في الدولة»
.
وهكذا لا تنحرف الثورات في يوم واحد.. ولا تسقط الدول بضربة واحدة.
يبدأ الأمر بتجاوز نقول عنه: ليس هذا وقته..
وبسرقة نقول: المهم أن تنجح الثورة..
وبمجرم نقول: نحتاجه الآن وسنحاسبه لاحقًا..
وبصوت يعترض فلا يجد من يقويه..
ثم نستيقظ بعد سنوات فنكتشف أن التجاوز أصبح قاعدة.. والسرقة أصبحت منظومة.. والمجرم أصبح قائدًا.. والاعتراض أصبح أضعف من أن يغير المسار.
هذا ما أفهمه اليوم أكثر مما فهمته بالأمس..
أن تعيد النظر لا في أخطاء خصومك فقط.. بل في أخطائك أنت أيضًا.. وفي اللحظات التي كان ينبغي أن تقول فيها: لا.. ولم تقلها بالصوت الذي تستحقه.
