
في مقال رأي للدكتور محمد سالم عميش *، رئيس ائتلاف 17 فبراير، بعنوان: “رسالة مفتوحة إلى صانع القرار والرأي العام التركي: ليبيا ليست حقل تجارب للتسويات القسرية”، تناول جملة من الرسائل السياسية والوطنية المهمة، أبرزها:
المقدمة: ما وراء الصفقات العابرة
هل يمكن اختزال استقرار ليبيا في مجرد أرقام وعقود إعمار، أو توازنات أمنية عابرة في شرق المتوسط؟ يطرح الدكتور محمد سالم عميش، رئيس الشبكة الليبية للتعاون والتنسيق ومنسق ائتلاف 17 فبراير بطرابلس 2011، هذا التساؤل في رسالة مفتوحة موجهة إلى صانع القرار والرأي العام في تركيا. الرسالة ليست مجرد قراءة سياسية باردة، بل هي صرخة تذكير استراتيجية بأن ليبيا، بالنسبة لليبيين وللتاريخ المشترك، هي “ذاكرة وطنية” حية وليست مجرد “مساحة نفوذ” أو “حقيبة عقود اقتصادية”. إن محاولة القفز فوق تضحيات الشعب الليبي مقابل تسويات قسرية قد تبدو مغرية تكتيكياً، لكنها مقامرة بأساسات الأمن القومي المشترك، فالليبين يؤمنون أن ليبيا ليست مجرد حقيبة من العقود تُمنح لمن يساوم على سيادتها.
التساؤل الصادم: ماذا لو كان الانقلابي في قمة السلطة التركية؟
لوضع الأمور في نصابها الصحيح، يقدم الكاتب مقارنة جدلية تلمس وجدان الشارع التركي والقيادة في أنقرة، مستخدماً لغة تفهمها “الإرادة الوطنية” (Milli İrade) التركية. يتساءل: كيف سيكون موقف الدولة التركية لو عُرض عليها “حل سياسي” دولي، تحت ستار الواقعية السياسية، يقضي بتعيين أحد قيادات تنظيم (FETÖ) الإرهابي رئيساً للجمهورية، مقابل بقاء الرئيس رجب طيب أردوغان في منصب رئيس الوزراء؟
هذه المقارنة ليست مجرد خيال سياسي، بل هي مرآة توضع أمام الضمير التركي ليرى من خلالها حقيقة ما يُطلب من الليبيين قبوله اليوم.
“هل كانت تركيا لتقبل بهذه الإهانة للإرادة الوطنية؟ هل كان الشعب التركي العظيم، الذي واجه الدبابات بصدوره العارية ليلة 15 تموز/يوليو دفاعاً عن الشرعية، ليعتبر ذلك تسوية، أم طعنة لدم الشهداء؟ إن الدماء التي سالت دفاعاً عن طرابلس ضد مشروع الوصاية العسكرية هي ذاتها الروح التي دافعت عن أنقرة، فكيف يُطلب من الليبيين إعادة إدماج من قصف برلمانهم ومؤسساتهم في قمة السلطة وكأن شيئاً لم يكن؟”
الدرس الأول: مكافأة القوة الغاشمة هي إعادة إنتاج للأزمة
من منظور جيوسياسي، يحذر الدكتور عميش من الانجراف وراء هندسة صفقات تقاسم السلطة التي يتم تداولها في الكواليس، مثل تلك التي تسوق لثنائية إبراهيم الدبيبة رئيساً للحكومة، وصدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي.
هذه الصيغ ليست حلولاً وطنية، بل هي وصفة “لإعادة إنتاج الأزمة” في قالب أكثر دموية. إن القبول بهذا النهج يرسل رسالة استراتيجية مدمرة مفادها أن “من يملك القدرة على التدمير والانقلاب سيُكافأ في النهاية بموقع سيادي”. هذه المحاصصة تشرعن “مشروع الانقلاب” وتمنحه الغطاء القانوني للانقضاض على الدولة من الداخل، بدلاً من معالجة جذور الانقسام.
الدرس الثاني: المصالح الاستراتيجية لا تبنى على عائلات متقلبة الولاء
بالنسبة لأنقرة، فإن حماية عقيدتها البحرية في شرق المتوسط (Mavi Vatan) وتحقيق مصالحها المستدامة لا يمر عبر اتفاقات هشة مع عائلات عسكرية تبني سلطتها على “الولاءات المتقلبة”. إن الرهان على “مشروع عائلي” يقوده خليفة حفتر وأبناؤه هو مراهنة على نموذج ديكتاتوري فتح الأبواب سابقاً لتدخلات دول معادية لتركيا، وقاد حروباً استهدفت الوجود التركي ذاته. الشريك الاستراتيجي الحقيقي هو:
* دولة مدنية مستقرة: تخرج من رحم إرادة شعبية صلبة، لا من صفقات عائلية هشة.
* دولة سيادية: تمتلك مؤسسات وطنية قادرة على حماية الاتفاقات الدولية والوفاء بالعهود بعيداً عن ابتزاز “أمراء الحرب”.
* دولة ترفض الوصاية: كيان مؤسسي يحمي المصالح المشتركة من تقلبات الولاءات العسكرية التي تميل حيث تميل موازين القوى الخارجية.
الدرس الثالث: توحيد المؤسسات ليس مجرد “حقن” لمشروع عسكري
يجب التمييز بوضوح بين “توحيد المؤسسات” كضرورة تقنية ووطنية، وبين “حقن مشروع عسكري عائلي في قمة الدولة”. يوضح التحليل أن المصالحة لا تعني “تسليم مفاتيح الدولة لمن حاول هدمها”. إن الليبيين يرفضون “تطبيع العسكرة” أو فرض “وصاية عسكرية” (Vesayet) جديدة تحت مسمى التوحيد. توحيد المؤسسات يجب أن يهدف لبناء جيش خاضع للسلطة المدنية، وليس منح شرعية قانونية لمن استخدم المرتزقة لفرض حكم الفرد وتدمير المسار الديمقراطي.
الدرس الرابع: المخرج الوحيد هو “الاستفتاء” لا تدوير أمراء الحرب
يرفض الكاتب الدوران في حلقة “المراحل الانتقالية العبثية” التي استنزفت الدولة الليبية. المخرج الوحيد الذي يمثل “درعاً شعبياً” ضد الانقلابيين هو العودة إلى السيادة الشعبية عبر:
1. الاستفتاء على مشروع الدستور: طرح المسودة التي أنجزتها الهيئة التأسيسية المنتخبَة للاستفتاء فوراً.
2. إنهاء تدوير “سواء الحرب”: بناء الدولة عبر قواعد دستورية دائمة يحميها الشعب، لا عبر هندسة مقاعد لشخصيات مثل صدام حفتر أو غيره ممن يفرضون أنفسهم بقوة السلاح.
3. الاحتكام للإرادة الوطنية: إجبار النخب الحالية على احترام حق الليبيين في اختيار من يحكمهم.
الخاتمة: سؤال موجه للضمير السياسي
إن الدولة لا تُبنى بيد من انقلب عليها، ولا يمكن تحقيق استقرار إقليمي عبر مكافأة الانقلابيين. إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق أنقرة تقتضي ألا تطغى الحسابات التكتيكية الآنية على المبادئ التي دافع عنها الأتراك في شوارعهم ليلة 15 تموز.
ويبقى التساؤل الموجه للضمير السياسي وصناع القرار في أنقرة: “هل تقبل أنقرة لنفسها ما ترفضه لطرابلس؟ وهل يمكن أن يكون استقرار المنطقة قائماً على معادلة سياسية تُرفض جملة وتفصيلاً في تركيا وتُفرض قسراً على الليبيين؟” إن ليبيا لا تحتاج إلى إعادة تدوير لأمراء الحرب، بل تحتاج إلى “دولة” يحميها دستور، وليس رصاص الانقلابيين.
- محمد سالم عميش دبلوماسي سابق ورئيس ائتلاف 17 فبراير


