
هندسة الشيطنة والتأطير الإستراتيجي: قراءة في كتاب “الإخوان المسلمون والغرب“
الدكتور كمال الجندي
شيطنة الإخوان المسلمين.. كيف تبدّلت حسابات الغرب بين الاحتواء والإقصاء؟
المقدمة
هل تساءلت يوماً كيف تُدار الخلافات السياسية داخل أمة واحدة لتبدو وكأنها “صراع وجودي” يستنزف طاقات الوطن ويمنعه من النهضة؟ في هذه القراءة التحليلية الموثقة لكتاب “الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والاشتباك” للمؤرخ البريطاني الدكتور مارتن فرامبتون الصادر عن جامعة هارفارد، سنكتشف بالوثائق الأرشيفية كيف صُممت خطابات الشيطنة عبر عقود طويلة كإستراتيجية خارجية لتفكيك الجبهات الوطنية الموحدة.
بنهاية هذا الدرس، ستكون قادرًا على:
تحليل مفهوم “التأطير الإستراتيجي” (Framing) وكيفية صناعة المخاوف المتبادلة بين أبناء الوطن الواحد.
تتبع جذور التحول في التقارير الأرشيفية الغربية والصهيونية تجاه التيار الإسلامي منذ عام 1928 وحتى الوقت الحاضر.
تفكيك سياسة “التوظيف المزدوج” التي جمعت بين الاستغلال السياسي المرحلي والشيطنة الأيدولوجية المستمرة.
استنتاج نتائج المراجعات الحكومية الغربية (مثل تقرير المراجعة البريطانية “جنكينز”) وتقييم أبعادها القانونية والأمنية.
تحديد خارطة الطريق للتعافي الوطني وتجاوز خطابات الكراهية لبناء الوفاق المجتمعي القومي.
هندسة “الشيطنة” ومفهوم التأطير الإستراتيجي
لتشخيص الأزمة الوطنية الحادة التي شهدتها مصر والعديد من بلدان العالم العربي، يجب أولاً التمييز بين الخلاف السياسي الطبيعي الذي هو أصل أصيل في إدارة المجتمعات الحية، وبين خطاب الكراهية المصنوع الذي يخرج الطرف الآخر من دائرة الوطنية ليضعه في خانة “العدو المطلق الذي يجب محوه”.
تثبت القراءة الفاحصة للتاريخ أن أبناء التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين لم يكونوا كائناً غريباً عن المجتمع، بل جزءاً أصيلاً من نسيج مصر والمحيط العربي، يضم أطباء ومهندسين ومثقفين وعمالاً. ولكن، ما الذي حول هذا الاختلاف الطبيعي في الاجتهاد الفكري إلى قطبية حادة؟
تُبين أطروحة الدراسة المعتمدة على أرشيفات المخابرات البريطانية والأمريكية والإسرائيلية أن هذا العداء المطلق ليس مجرد نتاج بيئة محلية صرفة، بل هو فكرة إستراتيجية صممتها المؤسسات الأمنية الغربية والصهيونية استناداً إلى ثلاثة أبعاد حيوية:
تحييد القوة الوطنية الشاملة: إشغال المجتمع بصراعات بينية صفريّة، تجعل أبناء الوطن يستهلكون طاقاتهم في تخوين بعضهم البعيد بدلاً من بناء مشروع نهضوي جامع.
صياغة “العدو البديل”: تحويل مركز الثقل في التهديد؛ فبدلاً من أن يظل الاحتلال الصهيوني وسياسات الاستيطان هما التهديد الوجودي الأول، يُعاد توجيه الإعلام الأمني لتصوير الشريك في الوطن وكأنه العدو الأول الداهم.
تكريس الهشاشة السياسية: غياب التوافق يمنح الذريعة لتغليب المبررات الأمنية على حساب دولة القانون، مما يجعل البيئة مرتهنة للأزمات ومسهلة لممارسة الضغوط الخارجية.
من هنا، يرتكز التحليل االأكاديمي للدكتور مارتن فرامبتون (أستاذ التاريخ السياسي الحديث في جامعة كوين ماري بلندن والحاصل على الدكتوراه من جامعة كامبريدج) على مفهوم “التأطير” (Framing). فالتعاطي الغربي لم يتأسس على فهم معرفي أو أيديولوجي مجرد، بل كان يُعاد إنتاجه وتصنيعه بشكل دائم وفق المصلحة الإستراتيجية الحاكمة لكل مرحلة.
الجذور التاريخية والصراع المبكر (1928 – 1954)
كيف بدأت الشرارة الأولى لعملية الشيطنة والتأطير الأمني في الوثائق السرية؟ عند العودة إلى بدايات تأسيس حركة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928 على يد حسن البنا، يُظهر الأرشيف البريطاني أن الاستعمار نظر في البداية بقدر من “اللامبالاة السياسية”، واعتبرها جمعية إصلاحية ودينية محلية.
لكن هذا الموقف شهد تحولاً حاداً مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 – 1939)؛ حيث بدأت الجماعة بتنظيم حملات الجمع والتوعية والتعبئة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية. ومنذ ذلك الحين، بدأت تقارير السفارة البريطانية بالقاهرة ومراكز الرصد الصهيونية تحذر من “طبيعة الخطر الجديد” كحركة شعبية عابرة للحدود.
تجلت لحظة الولادة الحقيقية لصياغة “العدو الأول” خلال حرب فلسطين عام 1948:
وثائق السفارة البريطانية (1938 – 1947): وصفت حسن البنا والجماعة بأنهما “القوة الوحيدة المنظمة التي لا يمكن التنبؤ بحدود نفوذها”، وحذرت من ربط الاستقلال الوطني لمصر بمواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين.
تقارير الوكالة اليهودية والاستخبارات الصهيونية المبكرة (مركز شيلواح): أعربت عن قلق شديد من كوادر المتطوعين الإخوان الذين دخلوا فلسطين عامي 1947 و1948، واعتبرت أن “عقيدة التضحية والتعبئة الشعبية” التي يحملونها تشكل عائقاً عقائدياً وأمنياً أمام ثبات الدولة العبرية المأمولة.
إذن، تثبت الوثائق الرسمية أن الشيطنة الغربية والصهيونية للتيار الإسلامي لم تبدأ بسبب “أخطاء سياسية داخلية” أو صراعات على السلطة، بل بدأت فوراً عندما تقاطعت الجماعة ميدانياً وفكرياً مع المشروع الصهيوني في فلسطين.
التوظيف المزدوج في الحرب الباردة وعهد السادات (1954 – 1981)
شهدت عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات نضوج إستراتيجية أمريكية وغربية قائمة على المناورة المزدوجة: الاستغلال التكتيكي عند الحاجة، والاحتواء الأمني والشيطنة المباشرة عند بروز خطر المبادرة المستقلة.
خلال أوج الحرب الباردة وصعود التيار القومي الناصري بزعامة جمال عبد الناصر، تذبذب العقل الغربي بين مسارين:
محاولات الاستغلال والتوظيف: بحثت واشنطن ولندن إمكانية “استغلال” رفض الإخوان للمد الشيوعي والقومي ليشكلوا صداماً أيديولوجياً مضاداً للراديكالية التي هددت المصالح الغربية.
التحذير والاحتواء الأمني: رجحت التقارير الإستراتيجية للمجلس القومي الأمريكي (NSC) والـ CIA دوماً أن التيار الإسلامي يمثل “الخطر العقائدي الأشد عمقاً”؛ لأن عقيدته ترفض وجود الكيان الصهيوني والهيمنة الغربية من الأساس.
عقب هزيمة 1967، رصدت التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية ببالغ القلق ظهور ما عُرف بـ “قواعد الشيوخ” على جبهات المقاومة بالأردن ولبنان، واعتبرت أن انبعاث هذا التيار يهدد بنقل الصراع من مواجهة نظامية بين دول إلى حرب استنزاف شعبية مفتوحة.
وفي عهد الرئيس أنور السادات خلال السبعينيات، أظهر الأرشيف السري للبيت الأبيض أن واشنطن وتل أبيب تابعتا بمنتهى الريبة منح السادات هامش حركة للتيار الإسلامي لمواجهة بقايا اليسار:
تقارير الـ CIA (1977 – 1979): حذرت عشية زيارة السادات للقدس من أن المعارضة الصلبة والحقيقية لاتفاقيات السالم (كامب ديفيد) ستأتي من التجذر الإسلامي في النقابات والجامعات.
عملية الأمننة (Securitization): بدلاً من الاعتراف بأن رفض التطبيع هو موقف وطني جامِع، جرى إعادة صياغة هذا الرفض وتأطيره كـ “عناصر تعويقية وراديكالية تُهدد الاستقرار والإقليم”.
تدويل “الفزاعة” وما بعد سبتمبر 2001 (1981 – 2011)
مع بداية عهد الرئيس حسني مبارك وانهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي، احتاجت الدوائر الغربية والصهيونية إلى مفهوم إستراتيجي بديل لتبرير السيطرة والهيمنة؛ فجرى تكريس صياغة “الخطر الإسلامي الشامل” (The Islamic Threat).
خلال تسعينيات القرن الماضي، اعتمدت واشنطن وتل أبيب منهجية “خلط الأوراق” كأداة رئيسية لشيطنة المجتمع:
طمس الفوارق المنهجية: مسح الحدود الفاصلة عمداً بين التيار الإصلاحي السياسي السلمي (الإخوان المسلمون) وبين المجموعات الراديكالية العنيفة.
خطر “التغلغل الناعم”: حذرت تقارير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (أمان والموساد) من نجاح الإخوان في بناء قواعد مهنية صلبة في نقابات المهندسين والأطباء والمحامين، واعتبرت أن هذا التواجد المجتمعي يُشكل خطراً أشد من العمليات المسلحة المعزولة؛ لأنه يبني جداراً رافضاً للتطبيع ويدعم المقاومة الفلسطينية (وتحديداً حركة حماس التي خرجت من عباءتها عام 1987).
وعقب أحداث 11 سبتمبر 2001 وإعلان إدارة بوش الابن “الحرب العالمية على الإرهاب”، عاد الاستقطاب الأمني داخل دوائر القرار الغربي إلى الواجهة:
اتجاه المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني: دفع بقوة لنقل “الفزاعة” من النطاق المحلي إلى الدولي، والمطالبة بإدراج الجماعة بكافة فروعها على قوائم الإرهاب باعتبارها “الحاضنة الفكرية” (Incubator).
اتجاه الدوائر الاستخباراتية الواقعية: تمسك بضرورة التمييز بين الجماعات العنيفة كالقاعدة وبين حركة سياسية مجتمعية، مؤكداً أن الحظر الشامل سيعطي نتائج عكسية ويدفع الملايين نحو الراديكالية.
نجحت هذه الهندسة الخارجية في إغلاق منافذ التوافق السياسي في مصر والمنطقة عبر تخويف النخب والعلمانيين من “البعبع الإسلامي”، وإقناع القوى السياسية بأن الحفاظ على الاستبداد أولى من الديمقراطية والتوافق الوطني.
الربيع العربي، مراجعة جنكينز، وعهد ترامب (2011 – 2018)
عند اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011 وسقوط نظام مبارك، ثم صعود الإخوان لدفة السلطة عبر الانتخابات عام 2012، عاشت الدوائر الغربية والإسرائيلية حالة من “الصدمة الجيوسياسية” والتوجس العارم.
وصف التقدير الإستراتيجي الإسرائيلي (معهد INSS) وصول تيار مناهض للهيمنة بـ “الزلزال الإستراتيجي والتهديد الوجودي لاتفاقية كامب ديفيد”؛ حيث خشيت تل أبيب من بناء قوة وطنية مستقلة القرار تفرض شروطاً جديدة لصالح المقاومة في غزة (كما تجلى في حرب نوفمبر 2012).
عقب أحداث عام 2013 وإزاحة الجماعة من السلطة، بدأت محاولات محمومة لـ “تدويل التصنيف والحظر”. وهنا تبرز وثيقة تاريخية حاسمة يعرضها الدكتور مارتن فرامبتون:
تقرير “المراجعة الحكومية البريطانية” (Sir John Jenkins Review 2014 – 2015): أطلق رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لجنة تحقيق برئاسة السفير السير جون جنكينز لفحص نشاط الإخوان لتقييم تصنيفهم كجماعة إرهابية تحت ضغوط إقليمية وصهيونية مكثفة. وجاءت النتيجة الحتمية للتقرير الشفاف الصادر أواخر 2015 لتشكل صفعة للدعايات الموجهة:
النتيجة القانونية: أكد التقرير أن الجماعة لا تُصنف كمنظمة إرهابية، ولا تدعو للعمليات المسلحة في الداخل الغربي.
المبرر الأمني: حذر المستشارون القانونيون للحكومة البريطانية من أن فرض الحظر ستسقطه المحاكم لغياب الأدلة المادية والقانونية.
وفي عهد إدارة دونالد ترامب (2016 – 2018)، حاول اليمين الأمريكي ومجموعات الضغط الصهيونية (أيباك) استغلال البيت الأبيض لإصدار أمر تنفيذي بتصنيف الجماعة كـ (FTO). لكن مذكرات وزراتي الخارجية والدفاع (البنتاغون) والـ CIA حذرت مجدداً من أن التصنيف يفتقر إلى السند القانوني ويضر بتمسك الملايين بالعمل السياسي السلمي. ويكشف التوثيق أن الهدف الحقيقي للضغط كان تجريد الشارع العربي من أي كتلة شعبية رافضة لتمرير ترتيبات “صفقة القرن” واتفاقيات أبراهام.
الأبعاد الإقليمية ورسائل الخاتمة الوطنية
يتوسع المؤلف في الفصل الحادي عشر ليدرس النموذج الإقليمي المقارن لحركة الإخوان المسلمين في بلدان مثل الأردن، وقطر، وتركيا:
النموذج الأردني: رغم اندماج حزب جبهة العمل الإسلامي في النظام السياسي الشرعي، رصدت التقديرات الإسرائيلية خطورة قدرته التعبوية في الشارع المطالبة بإلغاء اتفاقية “وادي عربة” (1994).
هندسة المحاور الإقليمية: عمل العقل الصهيوني-الأمريكي على تقسيم المنطقة إلى محاور حادة وتصنيف الدول بين “ساعٍ للاستقرار” و”راعٍ للإرهاب” لتفكيك العمل العربي المشترك وإشغال الدول بصراعات جانبية.
تتوج خاتمة كتاب الدكتور مارتن فرامبتون هذه الأطروحة العلمية بخلاصات إستراتيجية حاسمة لكل ذي عقل في مصر والعالم العربي:
استحالة المحو الفكري والمجتمعي: كافة محاولات الحظر والشيطنة والتصفية عبر قرن من الزمان لم تستطع إنهاء التيار؛ لأنه ليس مجرد تنظيم مغلق، بل “ظاهرة مجتمعية وفكرية متجذرة” في نسيج الطبقة المتوسطة والمؤسسات العربية.
فشل مقاربة “الأمننة الكلية”: التعاطي مع التيارات الفكرية والسياسية من منظور استئصالي محض يغذي أسباب التطرف، ويدمر التماسك الاجتماعي للدول، ويقضي على فرص التحول الديمقراطي.
استنزاف القوى الوطنية: إن إشغال الشعب والنخب في صراعات بينية وتخوين أبناء الوطن لبعضهم حقق لإسرائيل أمنها الإستراتيجي بأقل التكاليف، برفع التهديد في الذهنية العامة عن الاحتلال التوسعي وتوجيهه نحو “أخيك في الوطن”.
طريق التعافي الوطني: إن الخروج من هذا الفخ الهيكلي لا يكون إلا بشجاعة التوافق الوطني، ووقف خطابات الشيطنة والكراهية المتبادلة، والعودة إلى المساحة الوطنية الجامعة التي تتسع لجميع أبناء الوطن على قاعدة المواطنة، ودولة القانون، وحرية الفكر، والاصطفاف لحماية قضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها الحق الفلسطيني.
ملخص الدرس
يقدم كتاب “الإخوان المسلمون والغرب” الصادر عن جامعة هارفارد شهادة أكاديمية موثقة من قلب الأرشيفات الغربية والصهيونية، تثبت أن خطابات الكراهية وشيطنة الشريك السياسي لم تكن مصلحة وطنية قط، بل إستراتيجية تصديرية استهدفت إشغال المجتمعات العربية بصراعات بينية استنزفت طاقاتها وحمت الاحتلال.
أبرز النقاط المستفادة:
مفهوم التأطير (Framing): تعامل الغرب مع التيار الإسلامي وفق مسارين: التوظيف التكتيكي المؤقت ضد الخصوم، والتأطير الأمني الرافض للاستقلالية الوطنية.
الجذور الميدانية للعداء: بدأت شيطنة الجماعة فور تقاطعها الميداني والفكر مع المشروع الصهيوني في حرب فلسطين 1948 وليس بسبب خلافات محلية.
فشل دعايات الحظر الكلي: أثبتت المراجعات الحكومية الغربية الأكاديمية (مثل تقرير السير جون جنكينز عام 2015) عدم قدرة دعايات الشيطنة المطلقة على الصمود أمام البحث القانوني المحايد.
خارطة التعافي: استعادة التماسك القومي تتطلب التوقف عن خطابات التخوين والشيطنة، والعودة لسيادة القانون والمواطنة لتعزيز الجبهة الوطنية الداخلية.
الرسالة الأساسية للنص: لا يتحقق الاستقرار الوطني بإلغاء الخصوم أو تخوينهم، بل ببناء دولة القانون، واحترام التعددية السياسية، والتمييز بين العمل السياسي السلمي والعنف، وتعزيز التوافق حول القضايا الوطنية الكبرى.
الرابط لدراسة للدكتور كمال الجندي
