بداية.. أسوق هذين الموقفين قبل أن أقول كلمتي فيما يخص التنظيم الذي أتفهم أن أمره يزعج الأنظمة، لكنني فوجئت بكتابات بعض أصحاب الأقلام عنه، وهم الذين لا أدري سر حماسهم لحل التنظيم الذي لا يعنيهم، ولا ينتسبون إليه..

أما الموقف الأول فقد حدثنا به صديق لنا قائلا:

اتصلت بي إحدى الأمهات تخبرني أن ابنها طالب الثانوية قد تغير فكرا وسلوكا مما جعلها تكاد تموت خوفا عليه، لا سيما وأن الأفكار الإلحادية التي يدندن بها رغم صغره لم يسمعوا عنها من قبل في محيطهم… ولا تدري من أين جاءت هذه الأفكار لولدها، وكيف تشبع بها في هذه السن الصغيرة..

المهم أن خيوط الأمر قد انتهت إلى أن هناك جماعات تبني شبكات لنفسها حول العالم، وتصل الذين أوقعتهم في شباكها ببعضهم البعض في كل بلد يجتمعون فيه… تحبك خططها في الفضاء الأزرق، وتربط أفرادها بعد ذلك في الفضاء الواقعي.. وعلمنا بشهادة الولد أنه قد التقاهم عدة مرات، وأن الأمر أعقد مما كان يتصور..

وأما الموقف الثاني فقد حضرت مرة ملتقى كبيرا جاورني فيه زميل نصراني من إحدى الدول، ومع طول المدة التي تجاورنا فيها حدث بيننا نوع من التبسط… أخبرني أثناءها زميلنا النصراني هذا أنه مسئول الشباب في التنظيم الكنسي الذي يعمل من خلاله في البلد الذي جاء منه!!

وأخبرني بالمجالات الكثيرة التي يستوعبون فيها هؤلاء الشباب، وأن لكل شريحة عمرية من كل جنس نشاطاتها المعلنة وغير المعلنة!!

بدأت مقالتي بهذين المثالين لأؤكد على المؤكَّد… وهو أن كل ما يحدث في عالمنا وراءه تنظيم محكم…. سيما في مجال الشر!!

وهل تعتقد أن اختلال المنظومة الأخلاقية في العالم حدثت هباء؟!!

وهل انتشر الشذوذ من تلقاء نفسه؟

وهل انتشر الإلحاد من تلقاء نفسه؟

هل انتشرت الإباحية من تلقاء نفسها؟

وهل جماعات التنصير في آسيا وإفريقيا تعمل من تلقاء نفسها؟

وهل حدث التخريب والتجريف لمسلّمات الأسرة من تلقاء نفسه؟

وهل اهتزت المنظومة الأخلاقية في العالم من تلقاء نفسها؟

بالطبع لا…

لأن خلف كل ما ذكرته كُتلاً بشرية منظمة، ومخازن مالية تُستفرغ جميعا في كل مهمة أعدّت لها!!

والمغفلون من الخلق هم الذين يُضرَبون على أقفائهم في كل مرة ثم يلتفتون خلفهم ويعلنون أنهم لا يعرفون من الضارب، رغم أنه لا يوجد إلا شخص واحد!!

قولا واحداً… الباطل منظم… ومنذ عشرات السنين، بل منذ مئات السنين، وليس الآن!!

وبنظامه هذا احتل القد/س…

وبنظامه هذا غزانا فكريا وثقافيا وعقديا!!

لذلك ينبغي أن يكون الحق أحكم تنظيما، وأشد عضّاً على عقيدته بالنواجذ منه..

لذلك… منذ فجر الدعوة والنبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع المشركين في السر والعلن… بعبدالله بن مسعود المعلَن، وبسالم مولى أبي حذيفة المُتَخفّي!!

بنشر الدعوة في نوادي قريش المعلنة، وبتنظيم أمورها المتخفي في دار الأرقم بن أبي الأرقم!!

ولا زال هذا دأب المصلحين بل والمفسدين إلى يوم الناس هذا…

فما تمكنت جيوش العدو من الأرض المقدسة إلا بعد جهود عشرات السنين من الحركة الصه/يونية السرية والمعلنة!!

وما تمكنت الحركة الإسلامية -في المقابل- من تربية كوادرها، وامتلاك أسلحتها، وحفر أنفاقها، وإعداد لبِنات التحرير الأولى إلا من خلال نظام محكم ما زال العدو يعجز عن فك طلاسمه!!

ولو كان المقام يسمح لذكرت لكم قصص دول اكتمل الآن بنيانها، وأخرى لا يزال يكتمل… وجميعها بدأت بحركات منظمة صغيرة، وانتهت بكيانات كبيرة… وهذا ما تعلمه الدول الكبرى وحلفاؤها… لذلك يحاربون كل تنظيم إسلامي وليدٍ أو قديم.. لأنهم يعرفون أن تحرير الأمم والشعوب، وحفظ العقائد لا يكون إلا من خلال حق منظم يستعصي على الإنهاء!!

واسألوا المسلمين في دول ما قبل تفكك الاتحاد السوفيتي كيف كانوا يحفظون أولادهم القرآن، ويعلمونهم أمور دينهم في ظل حصار شيوعي مجرم كان يمنعهم من ذلك!!

لذلك كانت عبقرية بناء وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، والتي تسببت بعد فضل الله وحفظه في بقائها مائة عام، حاربت فيها الإنجليز والصها/ينة، وقضت على الدعارة في بلاد عربية مسلمة كانت المواخير(بيوت الدعارة) في بعضها تقدر بعشرة آلاف ماخور مرخص، وأخرت المشروع الصهيو/صليبي عشرات السنين، وقاومت الشيوعية، وحملات التغريب، ونشرت الحجاب بعد اختفائه، وملأت الجامعات، والقرى والمدن هدياً ودينا مع الكثيرين من مصلحي الوطن..

وها هي الآن تستعد لاستقبال المائة الثانية بحول الله وقوته..

أعلم أن الكثيرين يسنُّون الأسنان لينطلقوا في صوت واحد:

أي إخوان أولئك الفشلة الذين خارت قواهم، واختلّ نظامهم، وتفرقت كلمتهم، وتمكن منهم عدوهم؟!!

وهل كرَّهنا في التنظيم إلا هم؟!

وهل، وهل، وهل؟

وأقول لكم: لو كانوا كذلك ما كيد لهم كل هذه المكائد؟!!

لو كانوا كما تدعون من الضعف ما تحرك العالم كله لحربهم..

بالسجون والقتل والمطاردة في إقليمهم العربي والإسلامي… وبالقوانين والقرارات والمصادرات في أمريكا وأوروبا ومن ورائهم الكثير من دول العالم!!

وهل رأيتم قويا يحارب ميتاً؟!!

وهل رأيت ضعيفا يتحفز له العالم كل هذا التحفز؟!!

بالطبع لا…. لكنها حِيَل الشر ومكائده… يُشيع أنك ميت، ويقيم لك سرادق العزاء، بينما هو يعد لك القوانين والجنود خلف السرادق!!

هو يعلم أن فكرتهم هي الفكرة الملهمة الأولى وأن أعداد معتنقيها أكبر الأعداد في الأرض المباركة!!

هو يعلم أن أبناء فكرتهم في مصر وغيرها من البلدان أكبر من أن يقضوا عليهم، وأنهم مع أول انفراجة سيخرجون هم ومحبوهم من كل زاوية ومن تحت كل حجر!!

هو يعلم أنهم في عشرات الأقطار يعملون في العلن إن سمحت لهم الأنظمة، وفي الخفاء -إن رفضت- يوقظون الضمائر، ويبعثون الهمم، ويحفظون الدين!!

سيقول أحدهم: وكأنك تتكلم عن إخوان غير الجماعة الضعيفة التي نراها الآن!!

وأقول لك: ما دام الجسم حيا فإنه يستطيع أن يجدد خلاياه، ويُفتِّح مسامَّه، ويجدد دماءه كل حين… لا سيما عندما يدافعه عدو متعدد المكائد، متربص على الدوام..

لذلك فقد أبَت الجماعة أن تدخل مئويتها الجديدة إلا وقد فعلت بعض ما يستوجبه دخول القرن الجديد بأفكار ووسائل وأدوات تجتهد في استكمالها…

فها هي تتسلم من لجنة توثيق الأحداث ومراجعتها جهد ثلاثة أعوام -تقريبا- من العمل، بغية النظر إلى الأحداث التي حدثت على مدار خمسة عشرة عاما بعين المتعلم، وعقل الناظر المتفحص إلى المستقبل..

وها هي تنشئ المراكز البحثية، وتجدد وتنوع في أقسامها، ولجانها…

وها هي توسع دائرة التعلم من المتخصصين حتى من غير الإخوان…

وكثير من المستجدات التي يطول ذكرها، وإن ظهرت آثارها، وانتشرت أخبارها بعد قليل..

أعود إلى الحق المنظم وأقول:

كل راية معقودة للحق لا ينبغي أن تُنَكَّس إلا بعد رفع راية أعظم منها وأبيَن..

وكل كيان للحق لا ينبغي أن ينفضّ إلا بكيان أقوى منه..

لكن أن تقول لي مقولة بعضهم:

حلوا التنظيم… حلوا التنظيم!!

وأين بديله؟!!

ومن يقوم مقامه؟!!

وهل ينبغي أن يُحلّ تنظيم المسلمين الأقوى، وتترك تنظيمات الشر ترتع في بلادنا، وبيوتنا، وفي عقول وقلوب أولادنا؟!!

ولماذا لا ينطقون ببنت شفة عن تنظيمات بني ماسون، وجماعات المُنصّرين وأصحاب كل ملة؟!!

بل لماذا لا يتكلمون عن التنظيمات البلطجية والنخنوخية والعرجانية التي يحوي بعضها قرابة الربع مليون إنسان يستطيعون جمعهم في ساعة من نهار؟!!

ما أضرّ الإخوان بقومهم يوما، وما غدروا بهم رغم ما أصابهم من لأواء… وما خلّف كيانهم وراءه إلا مدارس ومشافٍ ومساجد ومعاهد كانت كلها في خدمة بني قومهم، وسيعودون إليها قريبا بإذن الله.

سيقول لك أحدهم:

ولماذا التنظيم والدولة موجودة بمؤسساتها الدينية، والتربوية والاجتماعية؟

فقل له:-

وأين الدول من دماء الأمة النازفة، ومقدساتها المحتلة؟

وأين هي من هيمنة سلطان أجنبي يغير مناهجها، ويقتحم خصوصيتها بقوانينه الوضعية التي دمرت الأسر والمجتمعات؟

ثم ماذا يضيرهم أن يقوم للخير أناس آخرون.. يقولون ويعملون ما لا تستطيع الأنظمة قوله وفعله؟!!

أخيرا إخوتي.. الإخوان لا يلزمون غيرهم بما ألزموا به أنفسهم.. بل يتعلمون في أدبياتهم:

(كم فينا وليسوا منا… وكم منا وليسوا فينا)

فالرجل الحق عندهم ليس بوجوده في التنظيم ولو كان منهم، ولكن بما يقدمه للأمة والدين ولو لم يكن منهم!!

ووالله ما آذوا بتنظيمهم أحدا.. ولو كانوا يريدون الشر أو يضمروا السوء بأوطانهم لما استطاع منعهم أحد.. لكنهم ومؤسساتهم يجتهدون في إرضاء الواحد الأحد!!

هذه قصة حل التنظيم التي يعودون إليها كل حين..

وخلاصتها أن الباطل المنظم لا بد له من حق منظم..

وأن العالم كله يحارب ذلكم الحق المنظم… لأنه لم يقف له طوال تاريخه مع بلادنا، ولم يقاوم خططه إلا من يرتب أوراقه وأفراده وخططه مثله مع فارق الحق والباطل… وعند الصباح يحمد القوم السُّرى.

#خالد_حمدي