طرابلس – كشفت بيانات مصرف ليبيا المركزي عن استمرار الاختلالات الهيكلية في المالية العامة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، في ظل اعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية، وارتفاع فاتورة المرتبات، مقابل محدودية الإنفاق التنموي، بالتزامن مع تسجيل عجز كبير في استخدامات النقد الأجنبي.

وبحسب البيان الخاص بالإيرادات والإنفاق العام واستخدامات النقد الأجنبي خلال الفترة من 1 يناير إلى 30 سبتمبر 2026، بلغت الإيرادات العامة نحو 114.58 مليار دينار ليبي، مقابل إنفاق بلغ 88.6 مليار دينار.

النفط.. المصدر شبه الوحيد للإيرادات

واصل النفط احتلاله موقع المصدر الرئيسي لتمويل الخزانة العامة، إذ بلغت قيمة المبيعات النفطية نحو 94 مليار دينار، فيما سجلت الإتاوات النفطية 17.4 مليار دينار.

وبذلك تجاوز مجموع الإيرادات النفطية 111.4 مليار دينار، أي أكثر من 97% من إجمالي الإيرادات العامة، بينما ظلت مساهمة المصادر غير النفطية محدودة للغاية.

وسجلت الضرائب نحو 2 مليار دينار، والجمارك 263.2 مليون دينار، فيما بلغت إيرادات الخدمات العامة والمسترجعات نحو 686 مليون دينار، وقطاع الاتصالات نحو 31.1 مليون دينار.

وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد المالية العامة الليبية على قطاع النفط، مع ضعف قدرة القطاعات الأخرى على توفير موارد مستدامة للخزينة.

المرتبات تستحوذ على أكثر من ثلثي الإنفاق

بلغ إجمالي الإنفاق العام خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 88.6 مليار دينار، مقابل إيرادات بلغت 114.58 مليار دينار، بما يعني وجود فائض محلي حسابي بنحو 25.98 مليار دينار.

غير أن توزيع الإنفاق يكشف عن تركّز كبير في المصروفات الجارية، حيث استحوذ الباب الأول الخاص بالمرتبات على نحو 60.6 مليار دينار، أي أكثر من 68% من إجمالي الإنفاق.

في المقابل، لم يتجاوز الإنفاق على التنمية والتطوير 1.6 مليار دينار، بما يمثل نحو 1.8% فقط من إجمالي المصروفات.

أما الباب الثاني، الخاص بالنفقات التسييرية والتشغيلية، فسجل نحو 12.1 مليار دينار، من بينها 5.52 مليار دينار مخصصة للمؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة لها.

وبلغ الإنفاق على الدعم نحو 14.3 مليار دينار، شمل قطاعات وملفات من بينها الإمداد الطبي والأدوية وعلاوة الزوجة والأبناء والمحروقات والخدمات العامة.

إنفاق المؤسسات السياسية

وأظهرت البيانات كذلك حجم الإنفاق المخصص لعدد من المؤسسات والجهات العامة خلال الفترة ذاتها.

وبلغت مخصصات مجلس النواب والجهات التابعة له نحو 1.638 مليار دينار، فيما بلغت مخصصات المجلس الرئاسي والجهات التابعة له 488 مليون دينار، بينما سجلت مخصصات المجلس الأعلى للدولة نحو 48.01 مليون دينار.

فائض بالدينار.. وعجز في النقد الأجنبي

ورغم تسجيل فائض حسابي بين الإيرادات والمصروفات بالدينار، فإن الصورة تبدو مختلفة عند النظر إلى حركة النقد الأجنبي.

فقد أظهرت بيانات المصرف المركزي تسجيل عجز تراكمي في استخدامات النقد الأجنبي يقترب من 4.7 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نهاية سبتمبر.

وجاء ذلك في ظل ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية لتغطية الواردات والاحتياجات الشخصية والتحويلات المالية، مقارنة بحجم التدفقات المتاحة.

وسجلت الاعتمادات المستندية التجارية نحو 10.113 مليار دولار، فيما بلغت مبيعات النقد الأجنبي للأغراض الشخصية نحو 6.508 مليار دولار، والحوالات المالية 2.681 مليار دولار، إضافة إلى نحو 39 مليون دولار عبر بطاقات صغار التجار.

اقتصاد شديد الحساسية لتقلبات النفط

وتضع هذه الأرقام الاقتصاد الليبي أمام مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار الاعتماد المفرط على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.

فأي انخفاض في أسعار النفط أو تراجع في الإنتاج والصادرات يمكن أن ينعكس سريعاً على قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام.

كما يمثل ارتفاع الإنفاق على المرتبات والدعم، مقابل انخفاض الإنفاق التنموي، أحد أبرز مظاهر الاختلال في هيكل الموازنة، إذ تذهب غالبية الموارد إلى الإنفاق الجاري، بينما تبقى الموارد المخصصة لتطوير البنية التحتية وتنويع الاقتصاد محدودة.

وفي الوقت نفسه، يضع اتساع الفجوة في النقد الأجنبي ضغوطاً إضافية على سوق الصرف، خصوصاً مع استمرار الطلب على الدولار لتمويل التجارة والاستخدامات الشخصية.

الخلاصة

تكشف بيانات مصرف ليبيا المركزي للأشهر التسعة الأولى من 2026 عن مفارقة واضحة: فائض كبير في الإيرادات المحلية مقابل الإنفاق، لكنه يقابله عجز ملحوظ في النقد الأجنبي.

وتشير الأرقام في مجملها إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإيرادات، وإنما في هيكل الاقتصاد والإنفاق؛ إذ ما زالت الدولة تعتمد على النفط في تمويل أكثر من 97% من مواردها، بينما تستهلك المرتبات وحدها أكثر من ثلثي الإنفاق العام، ولا يحصل قطاع التنمية إلا على نسبة محدودة من المصروفات.

وبذلك يبقى الاقتصاد الليبي عرضة لتقلبات سوق النفط وأسعار الصرف، في ظل الحاجة إلى توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وضبط الإنفاق الجاري، وزيادة الاستثمار في التنمية والقطاعات الإنتاجية.