لندن – 8 أكتوبر 2026

أعاد مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في 7 أكتوبر 2026، للكاتب والمحامي البريطاني ستيفن كاي من مؤسسة 9BR Chambers، فتح النقاش حول طبيعة الدور الأميركي في ليبيا، ومستقبل التعاطي الغربي مع عائلة خليفة حفتر، في ظل تعثر مسار توحيد المؤسسات الليبية والاستعدادات المرتبطة بالانتخابات.

المقال، الذي حمل عنوان «الولايات المتحدة دعمت عائلة حفتر في ليبيا.. وعلى بريطانيا ألا ترتكب الخطأ نفسه»، لا يقدم موقفاً حكومياً بريطانياً رسمياً، بل يمثل مقال رأي للكاتب، إلا أنه يستند إلى تطورات سياسية وأمنية جارية وإلى تقرير سابق أعدته 9BR Chambers حول ليبيا.

واشنطن وحفتر.. من الاتصالات إلى مسار توحيد المؤسسات

يستند كاي في انتقاده إلى تنامي الدور الأميركي في التواصل مع قيادة معسكر الشرق، ولا سيما مع صدام حفتر.

وفي 29 يونيو 2026، أعلن مكتب المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التقى صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة لمعسكر الشرق، وناقشا الجهود الليبية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب سبل التعاون لدعم الوحدة والسلام في ليبيا. وقالت الخارجية الأميركية إن واشنطن ستواصل دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى توحيد ليبيا وتهيئة الظروف لحكومة منتخبة ديمقراطياً.

وتشكل هذه الواقعة، من وجهة نظر كاي، دليلاً على أن واشنطن تتعامل مع أحد أفراد عائلة حفتر باعتباره طرفاً مهماً في ترتيبات مستقبلية تتعلق بتوحيد مؤسسات الدولة.

لكن هذه المقاربة تواجه سؤالاً أساسياً، بحسب الكاتب: هل يمكن بناء مسار انتخابي ديمقراطي عبر الاعتماد على شخصيات تنتمي إلى مراكز القوة العسكرية والعائلية القائمة؟

وهنا ينتقل المقال من عرض الوقائع إلى موقف تحليلي واضح، إذ يرى كاي أن دعم أي فرد من عائلة حفتر لدور سياسي مستقبلي يتعارض، في تقديره، مع الهدف المعلن المتمثل في إجراء انتخابات ديمقراطية.

صدام حفتر في قلب الأزمة الجديدة

جاء مقال كاي بعد أيام من تقرير آخر للغارديان نشر في 3 أكتوبر، تحدث عن اتهامات بارتباط صدام حفتر بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت للوقود والطاقة في غرب ليبيا.

وبحسب التقرير، وقعت الهجمات خلال أغسطس، واستهدفت بينها منشآت في الزاوية، ما أدى إلى أضرار في منشآت تخزين الوقود وتفاقم أزمة الكهرباء في مناطق غرب ليبيا. كما تحدث التقرير عن توقيف عدد من الأشخاص في سبتمبر للاشتباه في ارتباطهم بمخطط استهدف مطار طرابلس.

لكن من المهم صحفياً التأكيد أن هذه الرواية قائمة على اتهامات ومعلومات من مصادر أمنية وسياسية، وليست حكماً قضائياً نهائياً بإدانة صدام حفتر.

ووفق الغارديان، دفعت هذه التطورات مسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية إلى اعتبار التعاون مع صدام حفتر أكثر صعوبة، في وقت كانت فيه واشنطن تدفع باتجاه ترتيبات لتوحيد المؤسسات الليبية.

خطة أميركية لتوحيد المؤسسات

يربط تقرير الغارديان بين هذه التطورات وبين التحركات التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، والتي تهدف إلى إيجاد صيغة لتوحيد المؤسسات السياسية والأمنية في ليبيا.

ووفق ما نشرته الغارديان، تضمنت التصورات المطروحة صيغة يكون فيها خليفة حفتر رئيساً، مقابل تولي شخصية من عائلة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة رئاسة الحكومة. ونقلت الصحيفة عن بولس رفضه لفكرة أن تكون المبادرة مجرد صفقة لترسيخ حكم العائلات، مؤكداً أن الأمر يتعلق بأفراد يمكن أن يشغلوا مواقع مختلفة ضمن ترتيبات سياسية.

وهنا يرى ستيفن كاي أن المشكلة لا تكمن فقط في تفاصيل الصفقة، وإنما في منهج التعامل الدولي مع الأزمة الليبية، معتبراً أن التركيز على شخصيات ومراكز قوة بعينها قد يأتي على حساب بناء مؤسسات سياسية موحدة.

ماذا تقترح 9BR Chambers؟

لا يكتفي المقال بانتقاد السياسة الأميركية، بل يعرض مبادرة سبق أن طرحتها 9BR Chambers التي ينتمي إليها كاي.

ففي يونيو 2024 أصدرت المؤسسة تقريراً بعنوان «ليبيا: صوت القبائل»، قالت فيه إن فريقاً دولياً يعمل على دعم مسار للسلام وتوحيد ليبيا، وإيجاد طريق يقود إلى الانتخابات وعودة الدولة الليبية الموحدة.

ويقترح كاي أن تلعب بريطانيا دوراً مباشراً في تنظيم مؤتمر للسلام والوحدة الليبية، عبر استضافة شخصيات سياسية من شرق وغرب البلاد، إلى جانب قادة عسكريين يعتبرهم التقرير أطرافاً يمكن إشراكها في عملية التسوية.

ويقول إن الأمر، وفق رؤيته، كان يتطلب من بريطانيا اتخاذ خطوة بسيطة تتمثل في إصدار التأشيرات ودعوة الأطراف الليبية إلى مؤتمر جامع.

تقرير 2024.. وثيقة مهمة ولكنها ليست تقريراً أممياً

وهنا توجد نقطة مهمة عند تناول المقال إعلامياً.

فتقرير «ليبيا: صوت القبائل» ليس تقريراً صادراً عن الأمم المتحدة أو الحكومة البريطانية، وإنما هو تقرير أعدته 9BR Chambers ضمن مبادرة للسلام والوحدة في ليبيا. وتقول المؤسسة نفسها إن فريقها عمل كمستشارين في محاولة لجمع الأطراف المختلفة والتوصل إلى مسار يقود إلى الانتخابات وتوحيد الدولة.

كما يوضح التقرير نفسه أنه أُعد بهدف وضع «صوت القبائل» في صدارة النقاش السياسي الليبي، وأنه يستهدف توفير دفعة لمبادرة سلام، مع التأكيد بأن مسؤولية الأخطاء والعيوب الواردة فيه تقع على مؤلفه.

لذلك، فإن الاستناد إليه في أي تقرير صحفي يجب أن يكون باعتباره وثيقة صادرة عن جهة استشارية قانونية لديها تصور سياسي/دبلوماسي خاص، وليس باعتباره تحقيقاً مستقلاً أو وثيقة أممية.

أين تقف الأمم المتحدة؟

في المقابل، فإن المسار الأممي يركز على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية.

وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في أغسطس 2026، قالت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه إن دفع العملية السياسية إلى الأمام ما زال أمراً بالغ الأهمية، مشيرة إلى أن الانقسامات المؤسساتية وتحويل الموارد العامة وضعف الاستثمار وتنسيق القرارات انعكست على الوضع المعيشي والخدمات في البلاد. كما أشارت إلى اجتماعات عسكرية بين الشرق والغرب، واعتبرت إجراءات بناء الثقة بين المؤسستين العسكريتين مؤشراً على إمكانية تحقيق تقدم في مسار توحيد المؤسسة العسكرية.

كما أن خارطة الطريق الأممية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: إطار انتخابي قابل للتنفيذ، توحيد المؤسسات بما فيها الحكومة، وحوار سياسي واسع لمعالجة أسباب الصراع وتهيئة الظروف للانتخابات.

وهذا يجعل النقاش الحالي أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين لندن وواشنطن؛ فهناك مسار أممي قائم، ومسارات أميركية، ومبادرات أوروبية، إلى جانب المبادرات الليبية الداخلية.

بريطانيا أمام اختبار دبلوماسي

يضع كاي بريطانيا أمام خيار سياسي واضح في مقاله: إما الاستمرار في الانخراط ضمن التوجه الأميركي، أو محاولة تطوير سياسة أكثر استقلالاً تجاه الملف الليبي.

ويربط الكاتب ذلك بموقع بريطانيا كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، معتبراً أن لندن تستطيع، في حال لعبت دوراً مستقلاً في الملف الليبي، أن تستعيد حضوراً دبلوماسياً أكبر، وأن تساهم في إعادة إعمار ليبيا وتطوير اقتصادها بما يفتح أيضاً فرصاً تجارية أمام الشركات البريطانية.

لكن هذه الرؤية تبقى وجهة نظر الكاتب وليست إعلاناً عن سياسة بريطانية جديدة.

الخلاصة

يكشف مقال ستيفن كاي عن تحول مهم في النقاش الغربي حول ليبيا: فبعد سنوات من التركيز على وقف الحرب وتثبيت الهدنة، أصبح السؤال المطروح الآن هو كيف يمكن الوصول إلى توحيد سياسي ومؤسساتي من دون إعادة إنتاج مراكز القوة العسكرية والعائلية نفسها داخل النظام السياسي؟

وتأتي أهمية المقال من توقيته؛ إذ نشر بعد تحركات أميركية مباشرة مع صدام حفتر، وبعد تقارير عن اتهامات مرتبطة بهجمات على منشآت حيوية في غرب ليبيا، وفي وقت تحاول فيه الأمم المتحدة دفع مسار سياسي يقود إلى توحيد المؤسسات والانتخابات.

وبالتالي، فإن القضية لم تعد فقط «هل تدعم واشنطن حفتر؟»، وإنما أصبحت: هل يمكن للجهود الدولية لتوحيد ليبيا أن تنجح إذا ارتبطت بمساومات بين مراكز القوى الحالية، أم أن الأولوية يجب أن تكون لبناء مؤسسات موحدة ومسار انتخابي يحظى بقبول ليبي واسع؟

المصادر