من الشهرة والمناصب إلى بر الوالدين ومساعدة المحتاجين.. قراءة في معايير النجاح والابتلاء والتوبة

في حديث يتناول مفهوم النجاح ومعايير الإنسان في تقييم نفسه وحياته، يطرح الدكتور نايف بن نهار رؤية مختلفة لمفهوم النجاح، منتقداً اختزال النجاح في الشهرة والثروة والمناصب والمكانة الاجتماعية.

ويرى بن نهار أن الإنسان المعاصر أصبح يميل إلى ملاحقة الإنجازات التي يراها الآخرون ويثنون عليها، بينما تراجعت قيمة ما يسميه «النجاحات المخفية»؛ وهي الأعمال التي قد لا يعرف بها أحد، لكنها – وفق رؤيته – تمثل جوهر النجاح الحقيقي.


النجاح الذي يراه الناس

يبدأ الدكتور نايف بن نهار حديثه من ملاحظة تتعلق بتغير معايير النجاح في المجتمع، حيث أصبح الإنسان يبحث عن الإنجازات التي تمنحه حضوراً اجتماعياً واضحاً.

ويقول:

«المشكلة اليوم أن الإنسان صار يسعى للنجاحات المرئية، النجاحات التي يراها الناس جميعهم.»

ويشير إلى أن الشهرة، والثروة، والتجارة الواسعة، والوصول إلى المناصب، أصبحت بالنسبة للبعض صوراً أساسية للنجاح، ليس فقط لما تمنحه من مكاسب، وإنما لما توفره من تقدير اجتماعي.

ويضيف:

«هذه نجاحات يحبها الإنسان ويسعى إليها، لماذا؟ لأن الناس يرونها.»

وبحسب بن نهار، فإن رؤية الآخرين لهذه النجاحات قد تتحول إلى مصدر للمكانة الاجتماعية، فيصبح تقييم الناس جزءاً من الدافع وراء السعي إليها.


«النجاحات المخفية».. أعمال لا تحتاج إلى جمهور

في مقابل النجاح المرئي، يطرح بن نهار مفهوم النجاحات المخفية؛ وهي الأعمال التي لا يراها الناس ولا تحقق لصاحبها شهرة أو مكانة اجتماعية، لكنها ذات قيمة أخلاقية وإيمانية.

ويقول:

«النجاحات المخفية، النجاحات التي لا يراها إلا الله عز وجل، هذه لم تعد مغرية.»

ويضع ضمن هذه النجاحات بر الوالدين، والالتزام تجاه الأسرة، وتربية الأبناء، والوفاء بالوعود، ومساعدة الآخرين.

ويؤكد:

«نجاحك في بر والديك هذا النجاح من يهتم فيه؟»

ثم يضيف:

«نجاحك في التزامك مع أسرتك، نجاحك في تربية أبنائك، نجاحك في التزامك مع زوجك، هذا نجاح بحد ذاته.»


مساعدة المحتاج.. نجاح لا يراه أحد

يتوقف بن نهار عند صورة أخرى من صور النجاح الخفي، تتمثل في مساعدة الإنسان لشخص محتاج بعيداً عن أعين الناس.

ويقول:

«نجاحك في مساعدة الناس المستضعفين في الأرض، فقير ما أحد يسأل عنه ولا أحد يدري عنه.»

ويرى أن الوقوف إلى جانب شخص يواجه مشكلة، عندما يكون الإنسان قادراً على مساعدته، يمثل نجاحاً حتى لو لم يعرف به أحد.

ويختصر هذه الرؤية بالقول:

«هذه النجاحات المخفية هي جوهر حقيقة المؤمن.»


النزعة المادية غيّرت نظرة الإنسان إلى النجاح

يربط الدكتور نايف بن نهار بين هيمنة القيم المادية وبين تراجع الاهتمام بالإنجازات التي لا تحقق لصاحبها حضوراً اجتماعياً.

ويقول:

«في ظل تضخم الحياة المادية والنزعة المادية عند الناس، صاروا الناس لا يبالون إلا بالنجاحات المرئية التي يراها الناس.»

ومن هنا يدعو إلى إعادة النظر في المعيار الذي يقيس الإنسان من خلاله نجاحه، مؤكداً:

«الإنسان الواعي لا يبالي بما يقدره الناس، يبالي بما يقدره الله عز وجل.»


التعليم يمنح المعرفة.. لكنه لا يمنح دائماً «بوصلة للحياة»

ينتقل بن نهار إلى قضية التعليم، معتبراً أن المنظومة التعليمية تركز بدرجة كبيرة على المعلومات والشهادات، بينما لا تمنح الإنسان بالضرورة الأدوات اللازمة لإدارة حياته وعلاقاته.

ويقول:

«أعظم ما يحتاج إليه إنسان في حياته هو أكثر ما يفتقده في نظامه التعليمي.»

ويضيف:

«منظومة التعليم هذه كلها لا تعطيني بوصلة في حياتي.»

ويطرح أسئلة تتعلق بكيفية التعامل مع العلاقات والخلافات والصداقات والمواقف الصعبة، وكيفية بناء العلاقات أو إنهائها والتعامل مع الضغوط النفسية.

ويختصر المشكلة بقوله:

«المدارس تغذيك بالمعلومات، لكنها لا تزودك ببوصلة حياتية من خلالها تدير حياتك كلها.»


«البوصلة القرآنية» وإدارة الحياة

في مقابل ما يعتبره نقصاً في التعليم التقليدي، يرى بن نهار أن المنظومة التربوية القرآنية تقدم للإنسان إطاراً يساعده على التعامل مع الحياة وتقلباتها.

ويقول:

«ميزة النظام التربوي القرآني أنه يزودك ببوصلة، يعني تدير حياتك كلها وفقاً لها.»

ويقدم مفهوم الابتلاء باعتباره أحد المبادئ التي يمكن أن تساعد الإنسان على فهم الأحداث التي يمر بها، سواء كانت أحداثاً سلبية أو إيجابية.


الابتلاء لا يكون بالمصائب فقط

من أبرز الأفكار التي تناولها بن نهار أن الابتلاء لا يقتصر على المرض والفقر والمصائب، وإنما قد يكون الإنسان مبتلى أيضاً بما يمتلكه من صحة ومال وقدرات ونعم.

ويقول:

«الابتلاء ليس فقط بالشر، أيضاً بالخير.»

ويستشهد بقوله تعالى:

«ونبلوكم بالشر والخير فتنة.»

كما يستحضر قصة سليمان عليه السلام، وقوله:

«هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.»

ومن هذا المنطلق، يرى أن النعمة ليست مجرد امتلاك، وإنما مسؤولية واختبار في كيفية استخدامها والتعامل معها.


الصبر على المصائب.. والشكر على النعم

يضع بن نهار قاعدة للتعامل مع تقلبات الحياة، تقوم على الجمع بين الصبر والشكر.

ويقول:

«الغرض إنك تنجح في هذا الابتلاء من خلال الصبر على المصائب والشكر على المنح.»

ويعتبر أن إدراك الإنسان بأن الحياة مجال للاختبار يساعده على التعامل مع الأحداث بدرجة أكبر من الثبات، بدلاً من النظر إلى المصائب باعتبارها نهاية الطريق أو إلى النعم باعتبارها ضماناً دائماً للاستقرار.


الخطأ لا يجب أن يكون نهاية الإنسان

ينتقل الحديث إلى قضية أخرى، وهي طريقة تعامل المجتمع مع أخطاء الأشخاص.

وينتقد بن نهار ما يعتبره ميلاً اجتماعياً إلى اختزال الإنسان في خطأ واحد، حتى لو كان له تاريخ طويل من الأعمال الجيدة.

ويقول:

«الناس ينهون حياة الإنسان إذا أخطأ، في حين القرآن يخبرنا أن بداية الإنسان تبدأ بعد الخطأ إذا تاب إلى الله عز وجل.»

ويستشهد بقصة آدم عليه السلام، معتبراً أن التوبة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لحياة جديدة.


«التوبة بداية حياة جديدة»

يرى بن نهار أن الخطأ لا ينبغي أن يتحول إلى حكم أبدي على الإنسان، وأن التوبة والإصلاح يفتحان المجال أمام بداية مختلفة.

ويقول:

«التوبة من الخطأ هي بداية حياة جديدة، بداية فرصة جديدة.»

وينتقد في هذا السياق ما يسميه ثقافة ملاحقة الإنسان بأخطائه السابقة، قائلاً:

«حتى لو كتب تغريدة واحدة خاطئة يتمسكون بها إلى الأبد.»

ويشير إلى أن الإنسان قد يقدم أعمالاً إيجابية كثيرة، لكن خطأ واحداً قد يصبح محور الحكم عليه.


لا تجعل إسقاط الناس لك معياراً لقيمتك

يتناول بن نهار كذلك مسألة «إسقاط» الأشخاص اجتماعياً، ويرى أن الإنسان لا ينبغي أن يسمح لأحكام الآخرين بأن تحدد قيمته بالكامل.

ويستشهد بقصص من القرآن تتعلق بالأنبياء، ليؤكد أن التشكيك والانتقاد ومحاولات الإسقاط ليست أموراً جديدة.

ويقول:

«الناس مهما حاولوا إسقاطك، ما دام أن الله عز وجل رفعك لن تسقط.»

ويضيف:

«ومهما حاولوا أن يرفعوك، ما دام الله عز وجل أسقطك لن ترتفع.»

ثم يختصر الفكرة بقوله:

«الله عز وجل هو الرافع الخافض.»


معيار الإنسان.. رضا الناس أم رضا الله؟

في ختام حديثه، يعود الدكتور نايف بن نهار إلى الفكرة الأساسية التي انطلق منها: من الذي ينبغي أن يكون معيار الإنسان في تقييم نجاحه وقيمته؟

ويقول:

«إذا كنت تعمل وفقاً للمعيار الإلهي لا تبالي بالناس.»

ثم يضع المسألة في إطار الحساب الأخروي:

«من الذي سأقابله يوم القيامة، الناس ولا الله عز وجل؟ الله عز وجل.»

وهنا تلتقي مختلف محاور الحديث: النجاح الخفي، والتربية، والابتلاء، والخطأ، والتوبة، ونظرة المجتمع، عند فكرة واحدة مفادها أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل في الصورة التي يراها الآخرون عنه.


الخلاصة

يقدم الدكتور نايف بن نهار في حديثه قراءة لمفهوم النجاح تتجاوز الشهرة والثروة والمناصب، وتضع في المقابل مجموعة من القيم اليومية التي قد لا تحظى باهتمام المجتمع، لكنها تشكل – وفق طرحه – جوهر النجاح الحقيقي.

فالنجاح قد يكون في بر الوالدين، وتربية الأبناء، والوفاء بالوعود، والالتزام تجاه الأسرة، ومساعدة المحتاج، والصبر عند المصائب، والشكر عند النعم.

كما يطرح الحديث رؤية مختلفة للتعامل مع الأخطاء، تقوم على أن التوبة يمكن أن تكون بداية جديدة، وأن خطأ الإنسان لا ينبغي أن يصبح حكماً أبدياً عليه.

وفي النهاية، يختزل بن نهار رسالته في الدعوة إلى تجاوز هاجس تقييم الناس، والبحث عن معيار أعمق للنجاح، قائلاً:

«الإنسان الواعي لا يبالي بما يقدره الناس، يبالي بما يقدره الله عز وجل.»