اثنا عشر عامًا تكفي لبناء مؤسسات، وإقرار دستور، وإنجاز قوانين تنظم الحياة العامة، وترسيخ دولة القانون، وفتح الطريق أمام انتخابات حقيقية تنهي المراحل الانتقالية. لكنها قد تتحول، إذا طال فيها بقاء الأشخاص في مواقعهم، إلى عنوان آخر: إدارة للأزمة بدلًا من صناعة الحل، وإطالة للمرحلة الانتقالية بدلًا من إنهائها.

اليوم، وبعد انتخاب مجلس النواب الليبي الموالي لحفتر الصالحين عبدالنبي رئيسًا جديدًا له في السادس من أكتوبر 2026، تُطوى صفحة امتدت منذ انتخاب عقيلة صالح رئيسًا للمجلس في أغسطس 2014.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا تركت هذه السنوات الاثنا عشر وراءها؟

ليس المقصود محاكمة رجل في شخصه، ولا التشفي في نهاية مساره السياسي، وإنما وضع حصيلة مرحلة كاملة تحت ضوء النقد والمساءلة.

اثنا عشر عامًا.. ودستور ينتظر

لقد بقي الاستحقاق الدستوري والانتخابي عالقًا وسط صراعات المؤسسات والأجسام السياسية، بينما ظل المواطن الليبي يدفع ثمن الانقسام السياسي من أمنه واقتصاده واستقراره.

كان مجلس النواب، بحكم موقعه التشريعي، أحد أهم الأطراف القادرة على الدفع باتجاه تسوية دستورية وسياسية تنهي حالة الانقسام المستمر.

البرلمان الذي لم يحمِ البرلمان!

من المفارقات المؤلمة أن المؤسسة التي يفترض أن تكون عنوانًا للرقابة والتشريع وجدت نفسها جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بمفهوم الدولة نفسه.

ففي فترة عقيلة وبدعمه ونفاقه شهدت ليبيا تمددًا لدور مليشيات خليفة حفتر في المجال السياسي والمدني، وتعرضت مؤسسات الدولة لضغوط مختلفة، فيما بقيت قضية إخضاع الجميع للقانون والمساءلة واحدة من أعقد الملفات الليبية.

وهنا لا بد من طرح السؤال على شخص عقيلة صالح:

هل استطاع مجلس النواب خلال هذه السنوات أن يؤسس لدولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص والسلاح؟

حين يصبح القانون محل جدل!

ومن الملفات التي تستحق الوقوف عندها قانون رقم 35 لسنة 2023 بشأن تعديل أحكام القانون رقم 1 لسنة 2013 المتعلق بمنع المعاملات الربوية.

القانون، الصادر عن مجلس النواب والموقع باسم عقيلة صالح بصفته رئيس المجلس، سمح للمصارف التجارية بالعمل بالنظام المزدوج، وأخرج المعاملات التي تجريها تلك المصارف من العقوبات المنصوص عليها في القانون السابق.

وقد أثار هذا التعديل اعتراضًا شرعيًا واضحًا؛ إذ أصدرت دار الإفتاء الليبية بيانًا انتقدت فيه ما اعتبرته إباحة للمعاملات الربوية في المصارف التجارية التقليدية.

طرابلس.. حين تحولت السياسة إلى حرب

ولا يمكن قراءة مرحلة عقيلة صالح بمعزل عن الحرب التي اندلعت على طرابلس في أبريل 2019.

ففي الرابع من أبريل أعلن خليفة حفتر ما سماه «تحرير طرابلس»، بينما أعلنت حكومة الوفاق حالة النفير لمواجهة الهجوم.

ثم تحولت المعركة إلى واحدة من أكثر حلقات الصراع الليبي دموية، وسقط مدنيون ونزح عشرات الآلاف من السكان، كما تعرضت العاصمة لضربات جوية وقصف واسع.

فسوف يكتب التاريخ تلطخ يد عقيلة صالح في هذه الدماء والويلات والفقد والدمار .

دولة القانون أم دولة النفوذ؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يخرج به الليبيون من تجربة السنوات الاثنتي عشرة:

هل نجحت المؤسسة التشريعية في جعل القانون فوق الجميع؟

أم أن ليبيا ظلت تدور في دائرة تتقدم فيها القوة المسلحة على المؤسسات، وتتقدم التسويات السياسية المؤقتة على بناء الدولة الدائمة؟

فالدولة لا تُبنى بكثرة القوانين وحدها.

الدولة تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات تخضع للمساءلة، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن المسؤول مهما علا شأنه يمكن محاسبته، وأن النائب لا يمتلك حصانة أخلاقية من النقد، وأن المؤسسة العسكرية والأمنية تعمل تحت سلطة الدولة والقانون.

ماذا سيكتب التاريخ؟

ربما كان هذا هو السؤال الأصعب على كل مسؤول يغادر موقعه بعد سنوات طويلة:

ماذا سيكتب التاريخ عنك؟

لن يكتب التاريخ عدد السنوات التي جلستها على الكرسي.

سيكتب ماذا حدث للبلاد خلال تلك السنوات.

سيكتب هل اقترب الليبيون من دستور دائم أم ابتعدوا عنه.

سيكتب هل أصبحت مؤسسات الدولة أقوى أم أضعف.

سيكتب هل أصبح القانون أكثر رسوخًا أم أصبحت الاستثناءات أكثر اتساعًا.

سيكتب هل انخفض منسوب الانقسام أم ارتفع.

وسيكتب، قبل كل شيء، ماذا دفع المواطن الليبي ثمنًا لهذه المرحلة الطويلة من الصراع السياسي.

لقد غادر عقيلة صالح رئاسة مجلس النواب وترك إرثا ثقيلا ولعنات ممتابعة تلاحقه ما دام حيا وبعد وفاته ولن يجني من هذه السنوات إلا العار .

أما ليبيا، التي دفعت من دم أبنائها وأمنها واقتصادها ومستقبلها أثمانًا باهظة، فلا تحتاج إلى مزيد من الرجال الذين يطول بقاؤهم على الكراسي.

إنها تحتاج إلى مؤسسات.

إلى قانون.

إلى دستور.

إلى انتخابات.

وإلى قاعدة بسيطة لا ينبغي أن تكون محل خلاف:

لا أحد فوق الدولة، ولا أحد فوق المساءلة، ولا كرسي يدوم إلى الأبد.