تداولت منصات وصفحات ليبية خلال الأيام الماضية معلومات تتحدث عن «صفقة بين خليفة حفتر وإسرائيل» تتضمن النفط والأمن والتكنولوجيا، مقابل الحد من النفوذ الروسي والتركي في شرق ليبيا.

إلا أن مراجعة المصدر الذي انطلقت منه هذه المعلومات تكشف أن التفاصيل المتداولة لا تمثل اتفاقًا معلنًا أو صفقة موثقة جرى توقيعها بين الطرفين، وإنما وردت في صورة مقترح استراتيجي طرحه كاتب في قسم المدونات بموقع Times of Israel.

ونشر الكاتب Jose Lev Alvarez Gomez في 1 أكتوبر 2026 مقالًا بعنوان: «خيار إسرائيل في بنغازي: الواقعية بدل الدبلوماسية»، قدم خلاله تصورًا لما يمكن أن يكون عليه تعاون إسرائيلي مع معسكر حفتر في شرق ليبيا. والموقع يوضح أن قسم The Blogs يضم مقالات لكتّاب من خارج هيئة التحرير، وأن الآراء والوقائع الواردة فيها تقع مسؤوليتها على أصحابها. (The Times of Israel Blogs)

50 ألف برميل نفط يوميًا إلى إسرائيل

في قلب التصور الذي طرحه الكاتب تأتي مسألة النفط.

ويقترح المقال نقل نحو 50 ألف برميل من النفط الخام يوميًا من شرق ليبيا إلى ميناء أشكلون الإسرائيلي، عبر ترتيبات وقنوات مرتبطة بالإمارات.

ويذهب الكاتب إلى أن هذه الكمية يمكن أن تساعد إسرائيل في تغطية جزء من العجز في وارداتها النفطية، مقابل حصول الجانب الليبي على حزمة من الترتيبات الأمنية والتقنية.

ومن المهم هنا التأكيد أن رقم 50 ألف برميل يوميًا هو رقم ورد في المقترح نفسه، وليس إعلانًا عن صادرات نفطية ليبية فعلية إلى إسرائيل بموجب اتفاق جديد. (The Times of Israel Blogs)

رادار بين طبرق ورأس لانوف

يتضمن التصور كذلك إنشاء ما يسميه الكاتب «منصة استشعار تكتيكية» بين طبرق ورأس لانوف، دون إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية دائمة.

ويشمل المقترح رادارات ساحلية وأجهزة استشعار صوتية وأنظمة لمكافحة الطائرات المسيّرة، مع ربط المعلومات الاستخباراتية ببيانات من اليونان وقبرص.

ويقدم الكاتب هذه المنظومة باعتبارها وسيلة لمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة الساحل الليبي وحركة السفن، وفي الوقت نفسه تعزيز مراقبة التحركات الروسية في المنطقة. (The Times of Israel Blogs)

الحد من النفوذ الروسي

جانب آخر من المقترح يتعلق بالقوات الروسية الموجودة في ليبيا.

ويطرح المقال أن يتضمن أي ترتيب مستقبلي ملحقًا سريًا يحد من توسع قوات «فيلق إفريقيا» في مواقع مثل الخادم والجفرة، مقابل تقديم قدرات مضادة للطائرات المسيّرة، واستخبارات إلكترونية ساحلية، وعربات مدرعة.

وبذلك يصور الكاتب الترتيب المقترح باعتباره ليس مجرد تعاون نفطي، وإنما جزءًا من محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى في شرق ليبيا، بما يحد من النفوذ الروسي ويواجه النفوذ التركي في المنطقة. (The Times of Israel Blogs)

رأس لانوف والحريقة.. النفط في قلب المقترح

ويتطرق التصور كذلك إلى قطاع النفط الليبي، وبالتحديد مصفاة رأس لانوف.

ويقترح الكاتب إعادة تشغيل إحدى وحدات المعالجة في المصفاة، مع ربط عملياتها بالبنية التحتية النفطية في شرق ليبيا، بما يسمح بإعادة توفير الديزل ووقود الطيران إلى منطقة الحريقة.

كما يشير المقال إلى الطاقة الإنتاجية الاسمية لمصافي ليبيا، وإلى انخفاض مستويات التكرير الفعلية، معتبرًا أن إعادة تشغيل رأس لانوف يمكن أن تكون جزءًا من صفقة اقتصادية أوسع. (The Times of Israel Blogs)

مطار بنغازي ضمن التصور الإسرائيلي

ولا يقتصر المقترح على النفط.

فالكاتب يقترح مشاركة شركات إسرائيلية في تطوير البنية التحتية الأمنية والتقنية لمجمع مطار بنغازي الجديد، بما في ذلك أنظمة المراقبة الجوية، وأمن محيط المطار، ومنشآت تخزين وتزويد الوقود.

كما يطرح إنشاء مكتب اتصال غير معلن في طبرق لإدارة هذا التعاون، عبر قناة مرتبطة بأبوظبي، بدل إقامة علاقات دبلوماسية رسمية ومباشرة بين ليبيا وإسرائيل. (The Times of Israel Blogs)

حماية شخصية لخليفة حفتر

من أكثر البنود حساسية في المقال الحديث عن الأمن الشخصي لخليفة حفتر.

ويقترح الكاتب تشكيل خلية حماية مشتركة من الموساد والشاباك داخل منزل حفتر، في إطار ما يصفه بتبادل النفط الخام مقابل الحماية.

لكن هذه النقطة تحديدًا يجب التعامل معها بحذر شديد؛ فالمصدر لا يقدم دليلًا على وجود خلية إسرائيلية تعمل بالفعل لحماية حفتر، وإنما يطرحها كجزء من السيناريو الذي يدعو إليه الكاتب. (The Times of Israel Blogs)

هل يمثل ذلك تحولًا في العلاقة بين حفتر وإسرائيل؟

رغم عدم وجود دليل في المقال على إبرام الصفقة، فإن الحديث عن التعاون بين شخصيات من معسكر حفتر وإسرائيل ليس جديدًا تمامًا.

ففي نوفمبر 2021، نقلت Times of Israel عن صحيفة Haaretz أن صدام حفتر زار إسرائيل في زيارة سرية، وأنه حمل، وفق التقرير، رسالة من والده تطلب مساعدة عسكرية ودبلوماسية إسرائيلية مقابل التعهد بالسير نحو إقامة علاقات مع إسرائيل. كما ذكر التقرير أن صدام كان على اتصال سابق بقسم «تيفل» في الموساد، المسؤول عن العلاقات مع الدول التي لا تقيم إسرائيل معها علاقات دبلوماسية. (The Times of Israel)

وفي سبتمبر 2026، ظهرت تقارير جديدة بشأن تحركات صدام حفتر في أبوظبي بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقالت Times of Israel إن طائرة خاصة مرتبطة بصدام حفتر وصلت إلى أبوظبي بعد نحو 20 دقيقة من وصول نتنياهو، ونقلت عن صحيفة Il Foglio أن صدام التقى نتنياهو بهدف الحصول على دعم سياسي لمساره الرئاسي.

لكن هذه الرواية نفسها محل خلاف، إذ لم يتم تقديم إثبات مستقل حاسم على حدوث اللقاء، ما يجعلها في إطار التقارير والادعاءات المتضاربة وليس واقعة مثبتة بشكل قاطع. (The Times of Israel)

السياق الأوسع.. اتصالات إسرائيلية مع ليبيا

الاتصالات الإسرائيلية الليبية السرية ليست محصورة في معسكر حفتر.

ففي أغسطس 2023، كُشف عن اجتماع سري في روما بين وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إيلي كوهين ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش.

وأثار الإعلان عن اللقاء أزمة سياسية كبيرة في ليبيا، بعدما أكدت طرابلس رفضها للتطبيع مع إسرائيل، فيما أشارت تقارير إلى أن الاجتماع كان جزءًا من مساعٍ أوسع لإدخال ليبيا في مسار اتفاقات أبراهام. (AP News)

وأدى كشف الاجتماع إلى إقالة المنقوش وفرارها من ليبيا، فيما أصدر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة آنذاك تصريحات أكد فيها رفض التطبيع. كما أشارت تقارير إلى أن الاجتماع كان محل اتصالات أميركية وإسرائيلية في إطار محاولة فتح مسار للعلاقات. (AP News)

ما الذي يمكن تأكيده وما الذي لا يمكن تأكيده؟

المعلومات المتداولة حاليًا يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات:

أولًا: المؤكد:
وجود مقال منشور في Times of Israel يقترح استراتيجية إسرائيلية للتعاون مع شرق ليبيا، ويتضمن بالفعل النفط والأمن والرادارات ورأس لانوف ومطار بنغازي والحد من النفوذ الروسي. (The Times of Israel Blogs)

ثانيًا: توجد له سوابق في التقارير الإعلامية:
تقارير سابقة عن اتصالات أو لقاءات محتملة بين صدام حفتر ومسؤولين إسرائيليين، بما في ذلك تقرير 2021 عن زيارة صدام لإسرائيل، وتقارير 2026 بشأن احتمال لقائه نتنياهو في أبوظبي. (The Times of Israel)

ثالثًا: غير المثبت:
لا يوجد في المصادر التي جرى التحقق منها اتفاق رسمي منشور أو وثيقة تثبت إبرام صفقة بقيمة أو شروط محددة بين حفتر وإسرائيل تتضمن تصدير 50 ألف برميل يوميًا، أو نشر خلية للموساد والشاباك داخل منزل حفتر، أو إنشاء منصة رادار إسرائيلية بين طبرق ورأس لانوف.

الخلاصة

ما يجري تداوله تحت عنوان «صفقة حفتر وإسرائيل» يستند إلى معلومات حقيقية وردت في مقال منشور على موقع Times of Israel، لكن تحويل المقترح إلى خبر عن صفقة تمت بالفعل يتجاوز ما يثبته المصدر.

فالوثيقة المنشورة تتحدث عن تصور استراتيجي مقترح يقوم على معادلة: النفط الليبي مقابل الأمن والتكنولوجيا، مع محاولة الحد من النفوذ الروسي والتركي.

وفي حال تحول هذا التصور إلى اتفاق فعلي مستقبلًا، فإنه سيكون ذا تداعيات كبيرة على ملف النفط الليبي، وعلى التوازنات الأمنية في شرق البلاد، وعلى علاقة معسكر حفتر بكل من روسيا وتركيا والإمارات، فضلًا عن ملف التطبيع الليبي الإسرائيلي.

لكن حتى الآن، ووفق المصادر التي أمكن التحقق منها، لا يصح صحفيًا تقديم هذه البنود باعتبارها «صفقة أبرمت بين حفتر وإسرائيل»؛ الأدق وصفها بأنها «مقترح لصفقة أو ترتيبات محتملة» ورد في مقال رأي إسرائيلي.

المصادر

  1. Times of Israel – The Blogs: مقال Israel’s Benghazi Option: Realism Over Diplomacy، للكاتب Jose Lev Alvarez Gomez، 1 أكتوبر 2026. (The Times of Israel Blogs)
  2. Times of Israel: تقرير حول لقاء محتمل بين صدام حفتر وبنيامين نتنياهو في أبوظبي، 29 سبتمبر 2026. (The Times of Israel)
  3. Times of Israel: تقرير حول زيارة صدام حفتر السرية إلى إسرائيل عام 2021، نقلًا عن Haaretz. (The Times of Israel)
  4. Reuters: تقارير أزمة لقاء نجلاء المنقوش وإيلي كوهين عام 2023. (Stabroek News)
  5. Associated Press: تفاصيل الأزمة السياسية التي أعقبت الاجتماع الليبي الإسرائيلي عام 2023. (AP News)