
تقرير صحفي مستند إلى وثائقي قناة ليبيا الأحرار «مليارات الظل»
يكشف وثائقي «مليارات الظل» الذي بثته قناة ليبيا الأحرار، تفاصيل قضية العملة الليبية غير الرسمية التي دخلت إلى التداول على نطاق واسع، متتبعًا مسارات طباعتها وشحنها وتداولها، والجهات التي ارتبط اسمها بهذه العملية، وصولًا إلى تأثيراتها على الاقتصاد الليبي وقيمة الدينار.
ويستند الوثائقي إلى شهادات وتقارير دولية ومراسلات ووثائق، إضافة إلى مقابلات مع شخصيات مرتبطة بالملف. ويعرض التحقيق القضية باعتبارها واحدة من أخطر الملفات النقدية التي واجهت ليبيا خلال سنوات الانقسام المالي والمصرفي.

أكثر من 10 مليارات دينار في دائرة الشبهة
بحسب الوثائقي، كشفت عملية سحب فئات من العملة الليبية في أكتوبر 2025 عن وجود أكثر من 10 مليارات دينار متداولة من أوراق نقدية لم يصدرها مصرف ليبيا المركزي في طرابلس.
ويطرح التحقيق تساؤلات حول كيفية وصول هذه الكميات إلى جيوب المواطنين والمصارف والرواتب، وكيف أمكن تداولها لسنوات قبل أن تصبح القضية موضع مواجهة مباشرة من جانب السلطات النقدية.
ويرى الوثائقي أن حجم الأموال لا يمثل المشكلة الوحيدة، وإنما تكمن الخطورة في وجود منظومة متكاملة مكّنت هذه الأوراق من الوصول إلى السوق الليبية.
عملية تزوير بحجم غير مسبوق
يقدم الوثائقي تصورًا لحجم الأموال محل القضية، مشيرًا إلى أن نقلها كان سيتطلب عشرات الشاحنات، وأن عدّها ورقةً ورقة كان سيحتاج إلى سنوات.
ويصف التحقيق العملية بأنها من أكبر عمليات تزوير العملة، ويقارن حجمها بمشروع «برنهارد» النازي لتزوير الجنيه الإسترليني خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه التحقيق لا يتعلق بحجم الأموال فقط، وإنما بـ الجهة التي طبعتها وكيف وصلت إلى ليبيا ومن تولى توزيعها.

من طبع العملة وكيف دخلت ليبيا؟
يطرح وثائقي «مليارات الظل» مجموعة من الأسئلة التي بقيت، وفق التحقيق، دون إجابات واضحة لسنوات:
- من طبع هذه الأموال؟
- كيف دخلت إلى ليبيا؟
- من تولى توزيعها؟
- ولماذا استمر تداولها؟
وبحسب الوثائقي، لم تكن القضية مجرد عمليات تزوير فردية، وإنما ارتبطت بشبكات ومطابع ومصارف وعمليات شحن وتوزيع سرية.

شحنة الملياري دينار.. نقطة التحول في مالطا
في مايو 2020، وصلت القضية إلى محطة رئيسية عندما ضبطت السلطات المالطية حاويتين تحتويان على كمية كبيرة من العملة الليبية.
وبحسب الوثائقي، كانت الشحنة تقدر بنحو ملياري دينار ليبي وكانت في طريقها إلى ليبيا، إلا أن السلطات المالطية أوقفتها قبل وصولها.
ومن هنا بدأت واحدة من أكثر حلقات القضية إثارة للجدل، بعدما تحولت الشحنة المصادرة إلى ملف ذي أبعاد سياسية ودولية.

وزير الخارجية المالطي السابق يكشف كواليس القضية
ينقل الوثائقي شهادة وزير الخارجية المالطي السابق إيفاريست بارتولو، الذي تحدث عن الضغوط والتحركات التي أعقبت مصادرة الشحنة.
وبحسب شهادته الواردة في الوثائقي، حاولت جهات ليبية مرتبطة بالشرق الوصول إلى مالطا والتفاوض بشأن الملياري دينار، إلا أن السلطات المالطية تمسكت بموقفها ورفضت الإفراج عن الأموال.
ويكشف بارتولو كذلك عن محاولات لعقد لقاءات مع مسؤولين من الجانب الشرقي، لكنه يؤكد أن موقف مالطا كان واضحًا: عدم تسليم الشحنة.
دخول الولايات المتحدة على خط القضية
بعد عملية المصادرة، يشير الوثائقي إلى صدور بيان عن وزارة الخارجية الأمريكية وصف الشحنة بأنها عملة مزيفة، وربطها بالجهة التي تولت طباعتها.
وبذلك، وفق التحقيق، انتقل الملف من قضية مالية ليبية إلى قضية ذات أبعاد دولية، وأصبح السؤال الرئيسي هو: من يقف وراء عملية طباعة هذه الأموال؟
«غوزناك» الروسية في قلب الرواية
يسلط الوثائقي الضوء على شركة «غوزناك» الروسية، المتخصصة في طباعة العملات والوثائق الرسمية، باعتبارها الجهة التي ارتبط اسمها بطباعة الدنانير الليبية التي وصلت إلى بنغازي.
ووفق الرواية التي يعرضها التحقيق، بدأت عمليات طباعة كميات كبيرة من الدينار الليبي في روسيا منذ عام 2016، في فترة كان فيها مصرف ليبيا المركزي منقسمًا بين طرابلس وبنغازي.
من سد العجز إلى اقتصاد موازٍ
بحسب الوثائقي، تحولت الأوراق النقدية المطبوعة في روسيا بمرور الوقت من وسيلة لسد العجز المالي إلى جزء من منظومة مالية موازية.
ويعرض التحقيق رواية مفادها أن هذه السيولة دخلت إلى الأسواق، وجرى تداولها وبيعها مقابل الدولار في السوق الموازية، الأمر الذي ساهم، بحسب المصادر التي يستند إليها الوثائقي، في زيادة الضغط على الدينار واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
اتصالات روسية للإفراج عن الملياري دينار
يكشف الوثائقي عن اتصالات جرت مع السلطات المالطية بهدف الإفراج عن الشحنة.
ويورد شهادة بارتولو حول اتصالات من الشركة التي طبعت الدنانير، وكذلك من الحكومة الروسية، إضافة إلى حديثه عن لقاء أو اتصال مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن القضية.
لكن مالطا، وفق الشهادة التي يقدمها الوثائقي، تمسكت برفض الإفراج عن الشحنة، معتبرة أن إدخال هذه الأموال إلى ليبيا سيضر بالاقتصاد الليبي وبمالطا أيضًا.
السؤال الذي بقي بلا إجابة: من واصل طلب الطباعة؟
يطرح التحقيق إشكالية استمرار تدفق العملة المطبوعة في روسيا بعد توحيد مصرف ليبيا المركزي وانتهاء الانقسام المصرفي.
فإذا كانت العملية، بحسب الرواية الروسية، علاقة تجارية مع إدارة مصرف ليبيا المركزي في بنغازي، فمن كان الطرف الليبي الذي واصل طلب طباعة الأموال بعد انتهاء دور علي الحبري؟
ويشير الوثائقي إلى محاولات للحصول على إجابات من شركة «غوزناك» والسفارة الروسية في ليبيا، إلا أن تلك المحاولات لم تؤدِّ إلى إجابات واضحة.
«ذا سنتري» وشبكات مالية مرتبطة بالشرق الليبي
يستند الوثائقي كذلك إلى تقرير استقصائي لمؤسسة «ذا سنتري»، التي تحقق في شبكات الفساد والتمويل غير المشروع العابرة للحدود.
وبحسب ما ينقله الوثائقي عن التقرير، توجد شبكة من المقربين من عائلة قائد قوات «الكرامة» خليفة حفتر، وبعض أفرادها يقيمون خارج ليبيا ويديرون أنشطة في دول مختلفة، من بينها الإمارات.
ويعرض التحقيق رواية التقرير حول كيفية تعامل شبكات مالية مع الأوراق النقدية غير الرسمية وإدخالها إلى النظام المالي الليبي.
هل أنقذ سحب العملة ليبيا من «مصير فنزويلا»؟
يناقش الوثائقي بيان مصرف ليبيا المركزي الذي تحدث عن أن سحب العملة ساهم في إنقاذ ليبيا من «مصير فنزويلا».
ويربط التحقيق هذا التعبير بخطر التضخم والانهيار النقدي الذي شهدته فنزويلا، ويطرح قراءة مفادها أن استمرار ضخ كميات كبيرة من العملة غير الرسمية كان يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الضغط على قيمة الدينار والأسعار.
تقرير «ديلارو»: تزوير بمستوى احترافي
يستند الوثائقي إلى تقرير فني لشركة «ديلارو» البريطانية، المتخصصة في تصميم وطباعة الأوراق النقدية والوثائق الأمنية.
ووفق ما يعرضه التحقيق، خلص التقرير إلى أن مستوى التطور المطلوب لإنتاج الأوراق المزيفة المتداولة في ليبيا يشير إلى عملية احترافية تتطلب معدات وأحبارًا متخصصة.
كما يشير التحقيق إلى أن الأوراق المقلدة كانت تحاكي أبعاد الأوراق الأصلية وسمكها وبعض عناصر الحماية، ما جعل اكتشافها بالعين المجردة أمرًا صعبًا.
هل انتقلت عملية الطباعة إلى داخل ليبيا؟
في يوليو 2024، يستعرض الوثائقي تقريرًا لوكالة رويترز تحدث عن عمليات طباعة غير مشروعة للدينار الليبي داخل ليبيا.
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تمثل تحولًا مهمًا في القضية، لأن عملية الطباعة المحلية ستعني الاستغناء عن عمليات الشحن والنقل عبر الحدود.
كما يستعرض الوثائقي مراسلة من محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق الكبير إلى النائب العام بشأن ضبط أوراق نقدية مزورة تحمل توقيع نائب المحافظ السابق علي الحبري، وتختلف في مواصفاتها عن العملة المطبوعة في روسيا.
رواية «مطبعة توكرة»
ينقل الوثائقي عن تقرير «ذا سنتري» رواية تتحدث عن إنشاء مطبعة في منطقة توكرة قرب بنغازي، بمساعدة تقنية روسية، لتعويض النقص في الشحنات الجوية والبحرية.
لكن التحقيق يعرض في المقابل رأيًا فنيًا يشكك في إمكانية إنتاج أوراق نقدية بهذه الجودة داخل ليبيا، بالنظر إلى التكنولوجيا والمعدات المطلوبة.
26.4 مليار دينار في إطار التمويل النقدي
يتناول الوثائقي كذلك حجم التمويل بالعجز والإنفاق الموازي، مشيرًا إلى رقم يقارب 26.4 مليار دينار مرتبطًا بطباعة العملة، إلى جانب أرقام أكبر تتعلق بالإنفاق الحكومي والتمويل عبر السندات.
ويشير أحد المتحدثين في الوثائقي إلى أن إجمالي الإنفاق خلال الفترة التي يناقشها التحقيق تجاوز 220 مليار دينار، موزعة بين أموال ورقية وأرصدة وحسابات مصرفية.

المواطن الليبي.. الحلقة الأخيرة في الأزمة
يركز الوثائقي في نهايته على الأثر المباشر للقضية على المواطن.
فبحسب التحليل الذي يقدمه التحقيق، فإن زيادة كمية الأموال غير الرسمية المتداولة يمكن أن تضغط على قيمة الدينار، بينما يؤدي الطلب على الدولار في السوق الموازية إلى مزيد من الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.
والنتيجة، وفق الوثائقي، تتمثل في التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الاستيراد وتراجع الثقة في العملة الوطنية.
سحب الفئات القديمة.. محاولة لوقف النزيف
في أكتوبر 2025، اتجه مصرف ليبيا المركزي إلى سحب فئات كاملة من العملة من التداول، في محاولة لوقف تدفق الأوراق التي يشتبه في كونها مزيفة.
وبحسب الوثائقي، تجاوزت قيمة هذه الأوراق عشرة مليارات دينار، مع استبدال بعض الإصدارات القديمة بأخرى أكثر تطورًا وأمانًا ضد التزوير.
أسئلة لم تغلقها عملية السحب
رغم الإجراءات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي، يرى التحقيق أن القضية لا تنتهي بمجرد سحب الأوراق من التداول.
فالمطلوب، وفق الأسئلة التي يطرحها الوثائقي، معرفة الجهات التي طبعت الأموال، والجهات التي أدخلتها إلى ليبيا، والشبكات التي تولت توزيعها، والأطراف التي استفادت من تداولها.
وفي الوقت الذي تستمر فيه التحقيقات القضائية الليبية، يبقى السؤال الذي يختم به الوثائقي مفتوحًا:
هل سيمثل أمام العدالة يومًا من أغرقوا ليبيا بالأوراق النقدية المزيفة؟
—————————
المصدر الأساسي للمعلومات: وثائقي «مليارات الظل» – قناة ليبيا الأحرار.
