

تكشف الخريطة المتداولة للتحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عن تصورات لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، في ظل بروز تقارب إقليمي يضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، مقابل مساعٍ إسرائيلية لتوسيع شبكة تحالفاتها مع الإمارات ودول أخرى.
وتكتسب ليبيا أهمية خاصة في هذه الخريطة، لأنها لا تظهر ضمن اصطفاف سياسي موحد، بل تتداخل فيها مناطق نفوذ مرتبطة بالحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب، ما يطرح تساؤلات بشأن انعكاس الانقسام الليبي على حسابات القوى الإقليمية.
أولاً: ماذا تُظهر الصورة الأولى؟
تُظهر الصورة الأولى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يقدم عرضاً يتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، وأمامَه شاشة تتضمن خرائط وصوراً مرتبطة بالتهديدات والتحديات الأمنية.
أما الصورة الثانية، فهي خريطة بعنوان «التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط»، تحمل شعار مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، التي نشرت خريطة بهذا العنوان في 19 مايو 2026، لعرض التحولات في التحالفات الإقليمية.
ومن المهم التمييز بين الصورتين: وجود صورة نتنياهو إلى جانب خريطة التحالفات المتداولة لا يكفي وحده لإثبات أن النسخة الثانية هي نفسها التي ظهرت في عرضه، ما لم يتوافر تسجيل أو مصدر يؤكد ذلك.
ثانياً: ما أبرز التحالفات التي تعرضها الخريطة؟
تعرض الخريطة مجموعة من المحاور والتقاربـات الإقليمية، أبرزها:
1. التحالف الماسي السني
يضم أربعة بلدان رئيسية:
- تركيا.
- مصر.
- السعودية.
- باكستان.
ويشير المصطلح إلى تقارب إقليمي آخذ في التشكل، تدفع إليه اعتبارات الأمن والمصالح الاستراتيجية وموازنة النفوذ الإقليمي.
لكن وصفه بأنه تحالف لا يعني بالضرورة وجود حلف عسكري رباعي مكتمل الأركان؛ إذ تشير تحليلات معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية إلى أن هذا التقارب قد يتطور إلى تنسيق بين القوى الأربع، دون أن يتحول بالضرورة إلى تحالف دفاعي رسمي.
2. المحور الإسرائيلي–الإماراتي
تسلط الخريطة الضوء على التقارب بين إسرائيل والإمارات، وتعرضه ضمن تصور لتحالف أوسع تسميه «التحالف السداسي» أو Hexagon Alliance.
ويعكس ذلك رؤية استراتيجية تسعى إلى توسيع شبكة العلاقات الإسرائيلية إقليمياً، إلا أن الخريطة لا تعني أن جميع الدول التي تظهر ضمن هذا التصور أعضاء في تحالف رسمي واحد.
3. محور إيران وحلفائها
تُظهر الخريطة إيران وشبكة القوى المرتبطة بها، بما في ذلك حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن، ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة.
وبذلك، لا تقتصر الخريطة على التحالفات بين الدول، بل تتناول أيضاً علاقات الدول بالقوى السياسية والمسلحة من غير الدول.
ثالثاً: أين تقع ليبيا في هذه الخريطة؟
هذه هي النقطة الأهم بالنسبة إلى ليبيا.
تظهر ليبيا في الخريطة باستخدام ألوان وتخطيطات متداخلة، مع الإشارة إلى حكومتين متنافستين:
- حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد.
- حكومة الاستقرار الوطني المرتبطة بالسلطات القائمة في شرق البلاد.
وتُظهر الخريطة غرب ليبيا ضمن نطاق يتقاطع مع الدول والمناطق التي تصنفها باعتبارها صديقة للتحالف الماسي، بينما تظهر أجزاء من الشرق والجنوب بتخطيطات تجمع بين أكثر من تصنيف إقليمي.
ويمكن قراءة هذا التمثيل على النحو التالي:
1. غرب ليبيا: تقاطع مع دائرة التقارب التركي–المصري–السعودي–الباكستاني
يضع التمثيل اللوني غرب ليبيا ضمن نطاق يرتبط، وفق مفتاح الخريطة، بالدول والمناطق الصديقة للتحالف الماسي.
وهذا يتقاطع مع وجود علاقات سياسية وأمنية بين حكومة الوحدة الوطنية وبعض دول هذا التقارب، ولا سيما تركيا.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن التصنيف اللوني لا يثبت أن حكومة الوحدة الوطنية عضو رسمي في تحالف رباعي، ولا يعني أن الدول الأربع تتبنى موقفاً موحداً تجاه جميع الأطراف الليبية.
2. شرق ليبيا: تداخل في التصنيفات الإقليمية
يظهر شرق ليبيا بتخطيطات وألوان متداخلة، بما يعكس اختلاف التصنيفات المستخدمة في الخريطة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى العلاقات التي تربط القوى النافذة في شرق ليبيا بعدد من الدول الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والإمارات.
غير أن وجود هذه العلاقات لا يعني بالضرورة تطابق مصالح القاهرة وأبوظبي في جميع الملفات، ولا يسمح وحده باستنتاج أن شرق ليبيا أصبح جزءاً من محور إسرائيلي–إماراتي.
3. جنوب ليبيا: منطقة تتجاوز حسابات التحالفات التقليدية
لا يمكن قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن امتداد الحدود مع دول الساحل والصحراء، وتشابك المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.
وعندما تظهر مناطق الجنوب بتخطيطات متعددة، فإن ذلك يشير إلى تداخل التصنيفات على الخريطة، وليس بالضرورة إلى وجود تحالفات رسمية أو سيطرة مباشرة لمحور إقليمي بعينه.
الخلاصة هنا: الخريطة تقدم تصوراً جيوسياسياً للعلاقات والنفوذ، لكنها لا تُعد خريطة رسمية لتوزيع السيطرة العسكرية أو دليلاً مستقلاً على ولاء كل منطقة ليبية لمحور محدد.
رابعاً: لماذا تكتسب ليبيا أهمية في صراع المحاور؟
تكمن أهمية ليبيا في موقعها عند تقاطع المصالح المتوسطية والعربية والأفريقية، وفي استمرار الانقسام السياسي والعسكري بين الشرق والغرب.
ويمكن فهم هذه الأهمية من خلال ثلاثة عوامل:
أولاً: الموقع الجغرافي.
تمثل ليبيا نقطة اتصال بين شمال أفريقيا وشرق المتوسط، ما يجعلها ذات أهمية بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى تعزيز نفوذها الأمني والاقتصادي في المنطقة.
ثانياً: الانقسام السياسي والعسكري.
أدى استمرار وجود سلطات متنافسة وشبكات نفوذ مختلفة إلى تعدد العلاقات الخارجية للأطراف الليبية، وهو ما يجعل البلاد عرضة لتأثير التنافس الإقليمي.
ثالثاً: تباين مصالح القوى الإقليمية.
قد تتعاون دولتان في ملف معين، بينما تختلفان في ملف آخر. ولذلك، لا ينبغي التعامل مع العلاقات الليبية الخارجية وكأنها اصطفاف ثابت لا يتغير.
خامساً: هل تعني الخريطة أن ليبيا أصبحت ساحة مواجهة بين محورين؟
ليس بالضرورة.
يمكن اعتبار الخريطة مؤشراً على الطريقة التي تُصنّف بها بعض مراكز التحليل الاستراتيجي العلاقات الإقليمية، وعلى التنافس المحتمل بين شبكات النفوذ المختلفة.
لكن ثمة فرق بين ثلاثة أمور:
- التحالف الرسمي: اتفاق معلن بين الدول، وقد يتضمن التزامات سياسية أو عسكرية.
- التقارب الاستراتيجي: توافق في بعض المصالح، دون وجود التزام تحالفي شامل.
- التصنيف على الخريطة: تقدير تحليلي للعلاقات، قد يتغير مع تغير الظروف السياسية.
ومن ثم، لا يكفي ظهور ليبيا بألوان متداخلة لإثبات أنها أصبحت ساحة مواجهة مباشرة بين التحالف الماسي والمحور الإسرائيلي–الإماراتي.
كما لا تثبت الخريطة وحدها وجود تنسيق ليبي موحد مع أي من المحورين.
الخلاصة
تكشف خريطة التحالفات الإقليمية عن تحولات في تصورات موازين القوى في الشرق الأوسط، مع بروز تقارب يضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، في مقابل مساعٍ إسرائيلية لتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية.
وفي الحالة الليبية، يلفت الانتباه أن الخريطة لا تقدم البلاد باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بل تُظهر مناطقها ضمن تصنيفات متداخلة، تتقاطع مع الانقسام بين الشرق والغرب وتعدد العلاقات الخارجية للأطراف الليبية.
لكن القراءة الأهم ليست أن ليبيا انضمت رسمياً إلى أحد المحورين، بل أن استمرار الانقسام الداخلي يجعل البلاد أكثر تأثراً بالتنافس الإقليمي، ويمنح العلاقات الخارجية للأطراف الليبية وزناً إضافياً في تحديد مستقبلها السياسي والأمني.
والسؤال الذي تطرحه الخريطة هو: هل تستطيع ليبيا بناء سياسة خارجية موحدة تحافظ على مصالحها مع مختلف القوى الإقليمية، أم سيظل انقسامها الداخلي عاملاً مؤثراً في تموضعها ضمن خرائط النفوذ الإقليمي؟
