بعد 12 عاماً على رأس مجلس النواب، يغادر عقيلة صالح موقع رئاسة المجلس، فيما يتولى الصالحين عبد النبي رئاسة المؤسسة التشريعية، في تحول يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود التغيير الإداري إلى مستقبل التوازنات السياسية داخل معسكر شرق ليبيا، ودور صدام حفتر في المرحلة المقبلة.

أعلن الناطق باسم مجلس النواب، عبد الله بليحق، الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، انتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس خلفاً لعقيلة صالح، خلال جلسة عقدت في بنغازي بحضور نحو 100 نائب وبرئاسة النائب الثاني مصباح دومة. وجاء الانتخاب بعد يوم واحد من اعتماد تعديلات على اللائحة الداخلية للمجلس، من أبرزها اعتماد نظام الدورات البرلمانية وتحديد ولاية هيئة الرئاسة بـ12 شهراً، بما ينهي عملياً استمرار هيئة الرئاسة دون تجديد دوري.

لكن الخطوة لم تأتِ في أجواء توافقية كاملة. فقد كان عقيلة صالح قد أعلن إلغاء جلسة الثلاثاء، بينما واصل النواب المعارضون لاستمراره تحركهم، معتبرين أن تعديل اللائحة وإعادة انتخاب هيئة الرئاسة يمثلان مدخلاً لإصلاح عمل المجلس. في المقابل، قال النائب الأول لرئيس المجلس فوزي النويري إن أي قرارات تصدر عن اجتماعات لا تستوفي الإجراءات والنصاب والأغلبية القانونية قد لا تكتسب الصفة القانونية، محذراً من انقسام جديد داخل المؤسسة التشريعية.

نهاية 12 عاماً من رئاسة عقيلة

يمثل خروج عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب نهاية مرحلة طويلة بدأت مع انتخابه رئيساً للمجلس في عام 2014.

وخلال هذه السنوات، أصبح عقيلة أحد أبرز اللاعبين في المشهد السياسي الليبي، وارتبط اسمه بمراحل متعددة من الصراع حول السلطة التنفيذية، والقوانين الانتخابية، والعلاقة مع القيادة العسكرية في شرق البلاد، فضلاً عن دوره في إدارة مجلس النواب باعتباره إحدى المؤسسات الرئيسية في معادلة الانقسام الليبي.

لكن استمرار الرئاسة طوال هذه المدة أصبح خلال الفترة الأخيرة موضع اعتراض من عدد من النواب، الذين طالبوا بتعديل اللائحة الداخلية وإعادة تنظيم عمل المجلس وانتخاب هيئة رئاسة بصورة دورية. وفي 5 أكتوبر، أُعلن تعليق عمل هيئة رئاسة المجلس إلى حين انتخاب رئيس جديد.

وبذلك، فإن التغيير لا يتعلق فقط بشخص عقيلة صالح، بل بآلية إدارة المؤسسة التشريعية نفسها.

هل هو تغيير مؤسسي أم إعادة ترتيب للنفوذ؟

السؤال الأهم هو: هل يمثل انتخاب الصالحين عبد النبي بداية استقلال أكبر لمجلس النواب، أم أنه إعادة توزيع للنفوذ داخل المعسكر السياسي والعسكري في شرق ليبيا؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن التغيير جاء في سياق صراع سياسي داخل المجلس، لكنه تزامن أيضاً مع تحرك واضح من قيادة معسكر حفتر.

فبحسب مصادر برلمانية نقلت عنها وسائل إعلام، حصل الصالحين عبد النبي على دعم من قيادة خليفة حفتر، كما اجتمع نواب مؤيدون لتغيير رئاسة المجلس مع حفتر بحضور نجله صدام، في إطار تحركات هدفت إلى تعديل اللائحة ثم تغيير هيئة الرئاسة.

وهنا تبرز نقطة مهمة: عقيلة صالح لم يكن مجرد رئيس للبرلمان، بل كان جزءاً من توازنات السلطة في الشرق طوال السنوات الماضية. وبالتالي فإن استبداله بشخصية أخرى قد يعكس محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة التشريعية والقيادة العسكرية، وليس بالضرورة تغييراً في اتجاهات المعسكر السياسية.

صدام حفتر.. من لاعب عسكري إلى لاعب سياسي؟

التطور الأكثر لفتاً للنظر هو بروز اسم صدام حفتر بصورة أوضح في ملف مجلس النواب.

فصدام، الذي يشغل منصب نائب القائد العام للجيش في شرق ليبيا، أعلن عقب انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة أن تداول رئاسة مجلس النواب يعزز توحيد مؤسسات الدولة، وأعلن دعم القيادة العامة لرئاسة الصالحين عبد النبي ونائبيه.

كما تشير تقارير صحفية إلى حضور صدام في اجتماعات مرتبطة بتحرك النواب لتغيير رئاسة المجلس، وإلى وجود تباينات داخل معسكر حفتر حول توزيع المناصب ومسار الترتيبات السياسية المقبلة.

وهذا التطور يطرح سؤالاً أوسع من مجرد رئاسة البرلمان:

هل يتحول صدام حفتر تدريجياً من موقع عسكري إلى موقع أكثر تأثيراً في صناعة القرار السياسي داخل شرق ليبيا؟

لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية كافية للقول إن صدام هو صاحب القرار المباشر في انتخاب رئيس مجلس النواب. لكن المؤشرات المعلنة، ومنها دعمه لهيئة الرئاسة الجديدة وارتباط اسمه بالاجتماعات التي سبقت التغيير، تظهر أن حضوره السياسي أصبح أكثر وضوحاً.

وماذا عن عقيلة وحفتر؟

العلاقة بين عقيلة صالح وخليفة حفتر لم تكن ثابتة طوال السنوات الماضية؛ فقد شهدت تعاوناً في مراحل، وخلافات حول إدارة المؤسسات والعملية السياسية في مراحل أخرى.

وفي الأزمة الحالية، برز خلاف جوهري حول مسار اتفاق 4+4 وآليات تضمينه في الإطار الدستوري، وهي قضية كانت من بين الملفات التي ساهمت في زيادة التوتر داخل مجلس النواب، وفق تقارير برلمانية وإعلامية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تغيير رئاسة المجلس باعتباره محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين البرلمان والقيادة العسكرية، بحيث يصبح المجلس أكثر انسجاماً مع الترتيبات السياسية التي يجري العمل عليها داخل معسكر الشرق.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن عقيلة أصبح خارج المشهد السياسي. فالرجل يمتلك خبرة سياسية وبرلمانية امتدت لأكثر من عقد، كما أن الخلاف حول شرعية الإجراءات التي أدت إلى انتخاب خلفه لم يُحسم بصورة نهائية من وجهة نظر جميع الأطراف.

هل يفتح التغيير الطريق أمام الانتخابات؟

الاختبار الحقيقي للرئاسة الجديدة لن يكون في تغيير اسم رئيس المجلس، وإنما في ما إذا كان المجلس سيصبح قادراً على اتخاذ قرارات أكثر انسجاماً مع المسار السياسي والانتخابي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتداخل فيه عدة مسارات: جهود الأمم المتحدة، المبادرة الأميركية، ترتيبات توحيد المؤسسات، ومساعي الدفع نحو انتخابات وطنية.

وقد أشار المبعوث الأميركي مسعد بولس في 28 سبتمبر إلى البناء على ما تحقق في توحيد الميزانية والتنسيق الاقتصادي والأمني ودعم مسار يقوده الليبيون نحو الانتخابات. وفي المقابل، تشير تقارير إلى وجود خلافات داخل معسكر حفتر حول توزيع المناصب والقيادة العسكرية، بالتزامن مع التحركات الدولية.

وبالتالي، فإن تغيير رئاسة مجلس النواب يمكن أن يؤثر في سرعة التعامل مع الملفات السياسية المقبلة، لكنه لا يضمن وحده تسريع الانتخابات؛ إذ لا تزال هناك ملفات دستورية وقانونية وأمنية وسياسية تحتاج إلى توافق أوسع من حدود المؤسسة التشريعية.

مرحلة جديدة أم صراع جديد؟

يمكن النظر إلى التطور من زاويتين متوازيتين.

الزاوية الأولى: أن تغيير القيادة بعد 12 عاماً واعتماد ولاية محددة لهيئة الرئاسة قد يمثل محاولة لإعادة تفعيل العمل المؤسسي داخل مجلس النواب ومنع احتكار موقع الرئاسة لفترات مفتوحة.

أما الزاوية الثانية: فهي أن التغيير قد يكون جزءاً من إعادة ترتيب أوسع لمراكز النفوذ داخل شرق ليبيا، خصوصاً مع ظهور صدام حفتر بصورة أكثر وضوحاً في المشهد السياسي، ومع استمرار التباينات داخل معسكر القيادة العامة نفسه.

والخطر هنا أن يتحول الخلاف حول إصلاح مجلس النواب إلى انقسام جديد داخل المؤسسة التشريعية، خصوصاً إذا استمرت الخلافات بشأن النصاب وصحة الجلسات والقرارات. وقد حذر النائب الأول فوزي النويري بالفعل من أن الانقسام داخل المؤسسات القائمة لا ينبغي أن ينتج عنه انقسام جديد داخل البرلمان.

الخلاصة

انتخاب الصالحين عبد النبي لا يعني بالضرورة أن ليبيا دخلت مرحلة سياسية جديدة، لكنه يمثل تغييراً مهماً في واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً في معسكر الشرق.

المسألة الآن تتجاوز سؤال: من هو رئيس مجلس النواب؟

السؤال الأكبر هو:

هل سيؤدي التغيير إلى مجلس أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مؤسسية والمضي في الترتيبات الانتخابية، أم سيكون مجرد إعادة توزيع للنفوذ داخل المعسكر نفسه؟

كما أن صعود دور صدام حفتر سيكون أحد أهم الملفات التي تستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب موقعه العسكري، وإنما بسبب اتساع حضوره في الملفات السياسية والمؤسسية.

وفي النهاية، سيحدد أداء هيئة الرئاسة الجديدة، وموقف عقيلة صالح، وطبيعة العلاقة مع ” القيادة العامة “، ومدى قدرة المجلس على التعامل مع المسار الأممي والدولي، ما إذا كان تغيير 6 أكتوبر سيُسجل باعتباره إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، أم محطة جديدة في إعادة ترتيب موازين القوى داخل المشهد الليبي.