دراسة توثيقية ترصد مسار الاتصالات منذ 2011 وتفصل بين اللقاءات المؤكدة والادعاءات التي ما تزال بحاجة إلى أدلة

تكشف دراسة توثيقية بعنوان «الاتصالات الليبية ـ الإسرائيلية: بين القنوات غير المعلنة وسيادة القانون» عن ملف متشابك من الاتصالات واللقاءات والروايات المنسوبة إلى شخصيات ومسؤولين ليبيين وجهات إسرائيلية، خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى سبتمبر 2026.

وتؤكد الدراسة منذ البداية أنها لا تتعامل مع الملف باعتباره قائمة اتهامات، وإنما تحاول التمييز بين الوقائع المثبتة، والقرائن المادية، والروايات الصحفية، والادعاءات المنفية أو غير القابلة للتحقق.

لقاء روما.. الواقعة الأكثر توثيقاً

تضع الدراسة لقاء وزيرة الخارجية الليبية السابقة نجـلاء المنقوش بوزير الخارجية الإسرائيلي السابق إيلي كوهين في روما، في أغسطس 2023، في صدارة الوقائع الموثقة في هذا الملف.

وبحسب الدراسة، فإن اللقاء أُعلن عنه من الجانب الإسرائيلي، وأقرت الخارجية الليبية بحدوثه، قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية واسعة، أعقبتها احتجاجات وإجراءات حكومية وتحقيقات.

وتشير الدراسة إلى أن رواية المنقوش اللاحقة في 2025، والتي تحدثت عن وجود تنسيق سابق وتكليف بالمشاركة، تعزز فرضية أن اللقاء لم يكن مجرد مبادرة شخصية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه عدم وجود وثيقة منشورة تثبت بصورة قاطعة سلسلة القرار الحكومية الكاملة أو وجود قرار رسمي ببدء مسار تطبيع.

شرق ليبيا.. اتصالات أقدم وقرائن متفاوتة

ترصد الدراسة روايات تعود إلى عام 2015 بشأن اتصالات بين خليفة حفتر أو ممثلين عنه وجهات إسرائيلية، بعضها تحدث عن دعم عسكري أو استخباراتي.

لكن الدراسة تميز بين هذه الروايات وبين وقائع وقرائن أخرى تراها أكثر قابلية للتحقق، من بينها مشاركة شخصيات ليبية في فعاليات ظهر فيها إسرائيليون، وتقارير ومقابلات صحفية نسبت مواقف بشأن العلاقة مع إسرائيل إلى شخصيات من شرق ليبيا، مع تسجيل نفي ليبي لبعض هذه التصريحات.

وتبرز الدراسة بشكل خاص رحلتي الطائرة RMA4-P المرتبطة بدائرة حفتر إلى إسرائيل في نوفمبر 2021 ثم يناير 2022، معتبرة الرحلتين قرينة مادية على وجود حركة اتصال، لكنها لا تعتبرهما وحدهما دليلاً على هوية الركاب أو مضمون الاجتماعات.

طرابلس.. من روايات منفية إلى واقعة مؤكدة

تفرق الدراسة بين الروايات المتعلقة بطرابلس. فهي تشير إلى ادعاء سابق عن لقاء عبد الحميد الدبيبة بمسؤول إسرائيلي في الأردن عام 2022، وتقول إن حكومة الوحدة نفت ذلك ولم تظهر، ضمن المصادر التي راجعتها، قرائن مستقلة حاسمة تثبته.

في المقابل، غيّر لقاء روما في 2023 مستوى التوثيق المتعلق بقنوات الاتصال المرتبطة بحكومة الوحدة.

كما تذكر الدراسة أسماء أخرى ظهرت في روايات لاحقة، من بينها إبراهيم الدبيبة وعبد المجيد مليقطة، لكنها تؤكد أن الأدلة المتعلقة بهما لا تصل إلى مستوى الدليل المتوافر في حالة لقاء المنقوش وكوهين.

ملف نقل الفلسطينيين إلى ليبيا.. ادعاء لم يُحسم

يتناول التقرير أحد أكثر الملفات حساسية، وهو ما تردد في 2025 بشأن مقترحات لنقل فلسطينيين من قطاع غزة إلى ليبيا، وربط ذلك بأموال أو أصول ليبية مجمدة في الولايات المتحدة.

وتقول الدراسة إن هذه الروايات استندت بدرجة كبيرة إلى مصادر غير معلنة، بينما صدرت نفيات بشأن وجود خطة من هذا النوع، ولم تظهر وثيقة رسمية أو اعتراف مباشر يسمح بتحويل الرواية إلى اتفاق مثبت.

كما ترفض الدراسة اعتبار الحديث عن صفقة تقوم على نقل فلسطينيين إلى ليبيا مقابل 30 مليار دولار أمراً مثبتاً، وتدعو إلى تدقيق مستقل في ملف الأموال والأصول الليبية المجمدة.

القانون الليبي.. تاريخ من المقاطعة وتشديد في 2023

تضع الدراسة الاتصالات مع إسرائيل ضمن إطار قانوني يعود إلى القانون رقم 62 لسنة 1957 الخاص بمقاطعة إسرائيل.

كما تشير إلى صدور القانون رقم 33 لسنة 2023 في 25 ديسمبر 2023، والذي جاء بأحكام أكثر صراحة بشأن الاتصالات والعلاقات واللقاءات وبعض صور المشاركة.

وتشدد الدراسة على مبدأ قانوني أساسي، وهو أن النصوص الأشد التي صدرت في 2023 لا تطبق بأثر رجعي على وقائع سابقة، وأن تحديد المسؤولية الجنائية يظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، وليس الإعلام أو الخصومة السياسية.

لا دليل على «مشروع تطبيع» ليبي موحد

من أبرز استنتاجات الدراسة أنها لا تجد في الأدلة المتاحة ما يكفي لوصف الاتصالات الليبية ـ الإسرائيلية بأنها مشروع وطني موحد للتطبيع يجمع الشرق والغرب.

وبحسب الدراسة، فإن الصورة الأقرب إلى الأدلة تتمثل في قنوات منفصلة ومبادرات متباينة ظهرت داخل مراكز قوة مختلفة، وفي سياقات شملت الحرب، والبحث عن الدعم الخارجي، والمنافسة على الشرعية الدولية، والانتخابات، والعلاقات مع الولايات المتحدة، وشرق المتوسط والطاقة.

ماذا تريد إسرائيل من ليبيا؟

ترصد الدراسة أن المصلحة الإسرائيلية الأكثر وضوحاً، وفق ما تعلنه إسرائيل، تتمثل في توسيع دائرة العلاقات مع ليبيا.

كما تشير إلى مصالح استراتيجية أوسع مرتبطة بمصر وأمن حدودها الغربية، والنفوذ التركي، والوجود الروسي، وأمن البحر المتوسط، والطاقة وانتشار السلاح والجماعات المسلحة.

وفي المقابل، تقول الدراسة إن الأدلة المفتوحة لا تكفي لإثبات روايات أوسع تتحدث عن سعي إسرائيلي للسيطرة على النفط الليبي أو إدارة الصراع الداخلي في ليبيا عبر هذه القنوات.

الرأي العام.. رفض واسع للتطبيع

تستشهد الدراسة باستطلاع للباروميتر العربي أُجري في ليبيا مطلع 2022، أظهر أن 92% من المستجيبين عارضوا التطبيع بدرجات متفاوتة، مقابل 7% أيدوه.

لكن الدراسة تنبه إلى أن هذا الرقم لا يمكن استخدامه بوصفه قياساً حديثاً للرأي العام الليبي في عام 2026، لعدم توفر بيانات وطنية أحدث قابلة للمقارنة.

السؤال الأوسع: من يتحدث باسم ليبيا؟

في خلاصة الدراسة، يتحول ملف الاتصالات مع إسرائيل من قضية علاقات خارجية إلى سؤال يتعلق بإدارة الدولة الليبية لسياساتها الخارجية.

فالدراسة ترى أن الانقسام المؤسسي والسياسي أوجد تعددًا في مراكز النفوذ، الأمر الذي سمح بظهور قنوات خارجية مرتبطة بشخصيات ومؤسسات ومراكز قوة مختلفة.

وبذلك يصبح السؤال المركزي، وفق الدراسة: من يملك حق التحدث باسم ليبيا؟ وبأي تفويض؟ وما الذي يستطيع أن يعرضه أو يلتزم به؟ ومن يملك حق مساءلته؟

الخلاصة

تخلص الدراسة إلى أن وجود اتصالات ليبية ـ إسرائيلية حقيقية أصبح مثبتاً في بعض الحالات، وعلى رأسها لقاء روما عام 2023، بينما لا تزال روايات أخرى عديدة دون مستوى الإثبات الكافي.

كما تؤكد أن بعض ما تداولته وسائل الإعلام حول الدعم العسكري، أو التعاون الاستخباراتي، أو نقل الفلسطينيين إلى ليبيا، أو الصفقات المالية، يتجاوز في بعض الحالات ما تسمح به الأدلة المفتوحة.

وتقترح الدراسة التعامل مع الملف وفق تسلسل واضح: إثبات الواقعة أولاً، ثم تحديد القانون، ثم معرفة التفويض، وأخيراً المساءلة عبر المؤسسات.

المصدر: دراسة «الاتصالات الليبية ـ الإسرائيلية: بين القنوات غير المعلنة وسيادة القانون»، إعداد د. محمد سالم عميش، 2026. وتغطي الدراسة الفترة من 2011 إلى سبتمبر 2026، مع اعتمادها على مصادر مفتوحة ووثائق وتصريحات وتقارير صحفية، مع تصنيف درجات الثقة في الأدلة.